الحياة الزوجية مليئة بالتحديات الكبيرة، فيدق ناقوس الخطر، ومن رحم الخلافات البسيطة التي تتراكم تتولد المشكلات الكبيرة التي تنتهي بالصمت العقابي، ثم الطلاق الهادئ غير المنطوق، والذي يتراكم نتيجة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، وعدم تفاهم الزوجين، فينعزل الطرفان تحت سقف واحد، كل شخص يعيش لنفسه وبمفرده، متجاهلا الطرف الآخر ووجوده وتأثيره في حياته، لنجد منزلا فاقد الأهلية في كل شيء، وهنا نتعرف معا إلى أسباب انفصال الزوجين تحت سقف واحد، وكيفية علاج هذه المشكلة.
"فإذا دخلتم القلوب فأحسنوا سكناها فإن خرابها ليس بهين"، جملة نقرأها كثيرا، ولكن هناك من يعيشها بكل معانيها، ومنهم السيدة أ. ش تبلغ من العمر٤٤ عاما، تعمل بمجال الإرشاد السياحي وتقول: بدأ الفتور يدب في حياتي الزوجية عندما بدأت الخلافات تزيد، فلا نتحدث ويتجاهل كل منا الطرف الآخر ونتخاصم بالشهر، وتدخُّل أهله في مشكلاتنا مما جعلها تتفاقم، من هنا قررت العيش من أجل أولادي فقط، متجاهلة وجوده في حياتي تماما.
بينما تقول السيدة س . م ٣٨ عاما ومحاسبة بإحدى الشركات، كنت أعيش حياة هادية مع زوجي مليئة بالحب والود، ونتشارك معل كل مناحي الحياة، حتى ظهرت امرأة في حياته، فانقلبت حاله رأسا على عقب، فبدأ ينعزل ويظل قابعا على هاتفه المحمول داخل غرفته بمفرده بالساعات، حتى اكتشفت الأمر الذي تطور بينهما إلي الخروج والتنزه معا، من هنا بدأت المشكلات والخلافات تدب في حياتنا الزوجية، حتى اعتزلته تماما، وأعيش معه وكأنني جثة هامدة، تتحرك من دون روح أو حياة.
هناك نوع من العلاقات لا ينفجر بصوتٍ عالٍ ولا ينهار بخلافٍ كبير، بل يموت ببطء، بصمتٍ قاتل لا يسمعه أحد، هكذا بدأت آية عبد المجيد استشاري العلاقات الأسرية والتربوية حديثها قائلة: لم يعد الصمت بين الأزواج مجرد "هدوء" أو "راحة بعد يوم طويل"، بل أصبح أكبر تهديد يواجه الأسرة، لأنه يسرق روح العلاقة من دون أن يترك أثرًا ظاهريًّا في الحياة الزوجية، فالصمت لا يبدأ فجأة، بل يتسلل إلى الطرفين بكلمة تُؤجَّل، أو شعور يُكتم، أو خلاف يُدفن، ومعه يتحول كل طرف إلى الانعزال التام، ينامان في مكان واحد، لكن بينهما مسافات، فالزوج ينسحب لأنه يشعر أن كلامه يُهاجَم أو لا يُقدَّر، والزوجة تنسحب لأنها لم تعد تجد زوجا يسمع أو قلبًا يحتضن، فيتحول البيت إلى مكان يعيش فيه شخصان ولا علاقة تربطهما سوى الواجبات.
وغياب الحوار ليس تفصيلة بسيطة، إنه ينتج عن جفافٌ عاطفي يترك وراءه زواجًا بلا معنى، فالزوج يفقد إحساسه بدوره، والزوجة تفقد شعورها بالأمان، والمشاعر تموت بصمت حتى يصبح البعد أسهل من الكلام، ومن أقسى مظاهر الطلاق الصامت أن الأسرة تبدو في الخارج "طبيعية" بينما تنهار من الداخل ببطء شديد، وليس المسؤول عن ذلك طرفا واحدا، لأن الصمت دائمًا نتيجة شراكة من الطرفين في التهرب والتجاهل، وسوء الظن، ودفن المشاعر بدلا من التعبير عنها، فقد يبدأ أحدهما بالانسحاب، لكن استمرار الصمت هو نتيجة عدم وجود من يقول: كفى، علاقتنا تستحق أن تُنقذ.
أما عن الأخطاء التي تقود لهذا المصير فأوضحت عبد المجيد قائلة: تجاهل المشكلات على اعتبار أنها ستختفي من تلقاء نفسها، واستخدام الصمت كسلاح لإيذاء الطرف الآخر، والمقارنات السامة مع الآخرين، والقسوة والغلظة في النقد، وتحويل أي حوار بسيط إلى ساحة حرب نتضارى فيها، هذه التصرفات جميعها تبني جدارًا سميكًا يصعب هدمه مع الوقت.
أيضا لا يمكن تجاهل العوامل الخارجية التي تضرب الحياة الزوجية بلا رحمة، ومنها السوشيال ميديا التي تصنع أوهامًا عن علاقات وردية مثالية، فتجعل الأزواج غير راضين عن تفاصيل حياتهم الواقعية، مع ضغوط الحياة والتدخلات العائلية التي تضع العلاقة تحت ضغط دائم، ومع كل هذه العوامل يفضلون الصمت على المواجهة، لكنه أكثر الطرق تدميرًا.
والحقيقة القاسية هي أن الصمت لا يحل شيئًا بل يُمهّد لأسوأ النهايات، ولكن الطريقة الصحيحة هي المواجهة بالكلمات الصريحة، حتى وإن كان حديثا ثقيلًا، يتضمن اعترافا بأن العلاقة تتألم، فالحوار هنا ليس رفاهية، إنما هو عملية إنقاذ لتلك العلاقة، من إعادة تخصيص وقت مشترك بين الأزواج، وخفض نبرة النقد، وإحياء المشاعر الصغيرة التي ماتت، وإذا لزم الأمر فطلب مساعدة مختص لحل هذه الأزمة، وذلك إذا أصبح الصمت أكبر من القدرة على كسره، فهذه خطوات حقيقية ومهمة لا بديل عنها.