السدة الرئوية.. حين نحارب من أجل نفس
يواجه عم حسن ضيق الهواء بقوة لا ترى، ولم يكن يدرك أن أكبر النعم يمكن أن تنتزع من الإنسان بلا ضجيج.. نفس واحد فقط، نفس يعل معه الصدر ثم يهبط، ولكن ليس كما كان من قبل؛ بل بأزيز خافت يشبه الأنين، أزيز رقيق لكنه حاد، ينساب من بين ضلوعه كصافرة بعيدة، إيقاع غريب على الأذن، كأن الرئة تستغيث في كل مرة تحاول أن تُدخل الهواء كان صدره يرتفع ببطء، ويهبط وكأنه يحمل ثقل العالم، كل شهيق معركة، وكل زفير انتصار صغير، وكأن جسده يخوض حربا كاملة من أجل نفس واحد كامل.
في البيت، صارت أسطوانة الأكسجين الكبيرة رفيقه الذي لا يستطيع الاستغناء عنه، مع كل انقطاع للكهرباء، كان قلبه يخفق من الخوف؛ فقد أصبح الاعتماد على الأكسجين أمرا حيويا، وليس مجرد مساعدة، كان يجلس على طرف سريره يحاول أن يربط الحذاء، لكن أصابعه المرتعشة وصدره المنهك كانا يخونانه، حتى فك زرار القميص صار مهمة تحتاج إلى استراحة بعدها، كان يسحب من حياته اليوميات البسيطة إلى دوامة مستمرة من التعب.
كان عم حسن يدخن قبل سنوات علبتَيْ سجائر يوميا، لم يكن يستطيع أن يترك السجارة من يده، أما الآن فأصبحت أصابعه المرتعشة عاجزة عن حملها، وكأن المرض سرق منه القدرة على هذا الفعل البسيط الذي كان جزءا من عاداته اليومية.
كل خطوة إلى الأمام صارت تحديًّا، فحتى المشي خطوتين فقط كان يجعل صدره يصرخ علوا وهبوطا، والنهجان يسبق أي حركة، لا يستطيع السيطرة على هذا الانقباض المزعج في صدره، وهكذا بدأ يدرك عم حسن وكثيرون فقدوا جزءا كبيرا من رئاتهم، أن وظيفة الرئة أصبحت محدودة للغاية، بحيث أن جزءا صغيرا منها هو الذي يقوم بكل عمل التنفس، ويُسمى هذا الانسداد الرئوي المزمن أو السدة الرئوية (COPD).
أعراض المرض بدأت تسرق يومه، حتى سرقت راحته شيئا فشيئا، حتى صار صعود السلم معركة، وصفير النفس جزءا من صوته، والكحة لا تفارقه، بخاصة مع الفجر، وضعف الجهد أصبح حاكما لكل حركة، والنهجان يسبقه إلى أي خطوة.
كان يشعر أحيانا أن الهواء موجود، لكنه لا يصل، وهكذا بدأ طريقه الطويل مع الانسداد الرئوي المزمن، يمكن إذا عرف مبكرا لما تأخر، فالكشف المبكر كان يمكن أن يغير الكثير، لكنه لم يكن يعرف أن اختبارا بسيطا لوظائف التنفس كان سيكشف ضعف تدفق الهواء، وأشعة على الصدر كانت ستقول الكثير، التاريخ المرضي وحده كان كافيا: سعال طويل، وتدخين، وضيق النفس، وتعب سريع لكنه ـ مثل كثيرين ـ تجاهل الهمسات حتى صارت الرئة تصرخ.
عم حسن كان يختلط عليه الأمر، إذ كان يظن أنه مصاب بحساسية بسيطة، لكن الربو يأتي على شكل نوبات ثم يهدأ، ويستجيب للبخاخ فورا، بينما السدة الرئوية مرض ثابت يتقدم ببطء ولا يعود كما كان، وكان يظن أنه ربما يعاني من الأمفزيما الرئوية، لكنه لم يعرف أنها قد تكون بداية أو جزءا من السدة نفسها، حيث تتلف الحويصلات الهوائية فلا يخرج الهواء بسهولة، وهذا ما كان يسمعه في صدره كل ليلة.
هذه قصة عم حسن ورحلته اليومية مع مرض السدة الرئوية الذي يدفع الأطباء والأبحاث إلى طرق كل الأبواب الممكنة واللا ممكنة للوصول إلى أدوية جديدة تحسم المعركة وتحارب المرض، إنهم الصوت الذي لا يخفت، ولا يتوقفون أبدا أمام الإحباطات، بل دائما نراهم أمام أبواب الأمل، ربما يجدون نهاية البداية لنفس جديد، كنت حاضرة معهم أشاركهم الرأي والأسئلة حول السدة الرئوية، فكان الجواب هو إنتاج وإطلاق دواء ذكي جديد يستطيع أن يحسم هذه المعركة، ويسيطر علي هذه الأعراض التي تفقد عم حسن وغيره حلاوة وإكسير الحياة، وهما النفس والهواء اللذان وهبهما الله لنا مجانا للحياة.
استمعت إلى د. أشرف حاتم، أستاذ الأمراض الصدرية بكلية طب قصر العيني ورئيس لجنة الصحة بالبرلمان الذي قال: "يُعد مرض الانسداد الرئوي المزمن تحديًا صحيًّا على المستوى العالمي، ويتطلب معالجة هذه الفجوة الابتكار، والتثقيف، والتعاون، وإطلاق هذا الدواء اليوم هو دليل على ذلك"، والشركة المنتجة توصلت إلى دواء مميز وذكي قادر على السيطرة على المرض، ويجعل المريض يعيش بصورة طبيعية وجودة عالية، وأفضل مما كان، لقد أصبح الدواء متاحا للبالغين الذين لا يكون داؤهم متحكَّمَا به برغم العلاج الأساسي الذي يتناولونه.
بينما رأيت د. طارق صفوت، أستاذ الأمراض الصدرية ورئيس الجمعية المصرية العلمية للشعب الهوائية يتحدث عن (ESSB) "العلاجات البيولوجية، ومدي قوتها وسيطرتها على التعب والمرض، وأنها قدمت خيارات علاجية متقدمة تسهم في دعم جودة حياة المرضى".
أما د. أشرف مدكور، أستاذ الأمراض الصدرية بجامعة عين شمس فوصف ما يتعرض له العديد من مرضى الانسداد الرئوي المزمن بالأسى، لأنهم يعانون في حياتهم اليومية التي تصبح مرهقة بسبب ضيق التنفس، مما يؤثر على نوعية حياتهم بشكل كبير، لكن مع التقدم العلمي، تزداد فرصنا في تقديم أمل جديد لهؤلاء المرضى.
وقال أدريان ديلامار- ديبوتفيل، رئيس قطاع الأدوية بإفريقيا: "إن الدواء الجديد يعكس التزامنا نحو كل مريض متعايش مع مرض الانسداد الرئوى المزمن، ومن خلال الشراكات القوية نهدف إلى دعم منظومة الرعاية الصحية".
وفي نهاية المؤتمر جاء صوت موحد "بفضل التعاون بين القطاع العام والخاص، أصبح بإمكان المرضى التنفس بسهولة أكبر، والعيش بشكل أفضل".
في صباح مختلف، جلس عم حسن على السرير نفسه الذي كان يعجز فوقه عن ربط رباط الحذاء، مد يده ببطء وربطه، توقف لحظة، وتنفس، نعم كان هناك أزيز، لكنه لم يعد يخافه كما قبل كان، يشعر بأن الهواء بدأ يعود إليه، كأنه يفتح نافذة كانت مغلقة طويلًا، عرف أن الأكسجين ليس مجرد غاية، بل حياة، وأن العلم ليس مجرد دواء بل رحمة تمتد لتصل إلى صدر متعب كان يظن أن أيامه باتت أضيق من نفسه، وهكذا استعاد عم حسن جزءًا من أنفاسه، واستعاد معها الأمل.