برزت المرأة المصرية في السنوات الأخيرة، في قلب معركة طويلة ضد العنف الموجَّه إليها، سواء أكان هذا العنف دينيا عبر تفسيرات خاطئة للنصوص، أم اجتماعيا عبر ثقافة الصمت، أم نفسيا عبر الضغوط المستمرة داخل الأسرة أو العمل، ومع تغيّر الوعي العام واتساع مساحة النقاش، باتت هذه المواجهة أوضح، وأكثر تنظيما، وذات حضور في المؤسسات وفي المشهد العام على حد سواء.
الوعي الديني سلاح ضد التبرير الزائف ففي مجتمع يحتكم كثيرا إلى المرجعية الدينية، كان لزاما على المرأة أن تبدأ مواجهتها من هذه النقطة تحديدا، وعلى مدار الأعوام الماضية، استطاعت النساء الاقتراب من خطاب ديني أكثر اتزانا، مدعوم بجهود مؤسسات رسمية كالأزهر ودار الإفتاء، التي أكدت مرارا أن العنف ليس من قيم الإسلام، وأن النصوص تُحمَل دوما على الرحمة والعدل والمساواة الإنسانية.
وفي جولات عدة داخل القرى والمدن، كانت الواعظات الأزهريات يقدمن نماذج مؤثرة في إعادة تصحيح المفاهيم، من خلال ندوات بعنوان: «وعاشروهن بالمعروف»، و«الإسلام دين الرحمة».
ولم تكن هذه اللقاءات مجرد محاضرات دينية، بل جلسات استعادة ثقة، تشجع المرأة على رفض العنف الزوجي أو الأسري مهما حاول البعض تبريره بضعف فهم النصوص.
وبفضل هذا التحرك، حصلت آلاف النساء على معرفة دينية تمنحهنّ قدرة على قول «لا»، وتكشف لهن الفرق بين الدين الحقيقي والتقاليد التي تتخذ منه غطاءً.
كسر حاجز الصمت
لم تعد المرأة المصرية تكتفي بالاستكانة أمام الممارسات الاجتماعية المؤذية، فقد دفعها الواقع إلى رفع صوتها وإعادة تشكيل المشهد من حولها، ومن أبرز التطورات أن قضايا العنف باتت تُطرح علنا عبر الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، وبرامج التوعية الرسمية.
وقد كانت حادثة التحرش الجماعي في أحد المراكز التجارية نموذجا صارخا لتغيير المعادلة، فبعد أن نشرت إحدى الفتيات تجربتها علنا، اشتعلت مواقع التواصل بحملات تضامن واسعة، دفعت الجهات الرسمية إلى اتخاذ إجراءات فورية وتشديد العقوبات، وانطلقت بعدها مبادرات مثل «اتكلمي»، و«مش هسكت»، التي شكّلت مظلة لدعم النساء وتشجيعهن على الإبلاغ، وإلى جانب ذلك، لعب تمكين النساء عبر التعليم والعمل دورا مفصليا.
فالمرأة العاملة، صاحبة الدخل المستقل، باتت أكثر قدرة على رفض الإيذاء، وأقل خضوعا لضغوط التبعية، كما أسهمت وحدات مناهضة العنف في الجامعات، والخط الساخن للمجلس القومي للمرأة، في تحويل الشكوى إلى خطوة عملية لها نتائج ملموسة.
معركة داخلية لا تقل صعوبة
ولا يترك العنف بكل أشكاله أثرا جسديا فقط، بل يضرب الثقة بالنفس ويعطل القدرة على اتخاذ القرار، ولهذا، أدركت المرأة المصرية أن جزءا كبيرا من المواجهة يجب أن يحدث داخلها، ومع انتشار الوعي النفسي في السنوات الأخيرة، بدأت النساء في اللجوء إلى مختصين عبر مراكز حكومية أو مبادرات أهلية، لتلقي العلاج السلوكي أو الدعم العاطفي.
كما ظهرت مجموعات دعم نسوية، تتيح للنساء مشاركة تجاربهن في مساحة آمنة، لتخفيف العزلة وخلق شعور بالتضامن، وتبرز مبادرة «مودة» كخطوة رسمية تهدف إلى تأهيل المقبلين على الزواج نفسيا واجتماعيا، بما يقلل من احتمالية نشوء علاقات عنيفة قبل أن تبدأ.
إلى جانب العلاج النفسي، تسعى كثير من النساء إلى تقوية أدواتهن الذاتية عبر دورات مهارات التواصل، وإدارة الغضب، وتعلم كيفية التفاوض داخل العلاقات الأسرية، مما يمنحهن قدرة أكبر على التعامل مع الضغوط والمواقف الصعبة.
كيف تحارب المرأة العنف؟
تعتمد المواجهة على طلب معرفة صحيحة من مصادر موثوقة، وحضور جلسات التوعية، واستخدام قوة الفهم الديني لمواجهة أي تبرير للعنف، بهدف نزع الشرعية عن العنف، وإعادة الدين إلى سياقه المعتدل.
كما تشمل المواجهة الاجتماعية والقانونية الإبلاغ عن العنف، واستخدام الأدوات المؤسسية، والاستفادة من القوانين الجديدة، إلى جانب استخدام المنصات الرقمية لرفع الوعي وفضح الممارسات المسيئة، بهدف حماية قانونية وردع اجتماعي حقيقي.
تتضمن المواجهة النفسية والشخصية العلاج والدعم العاطفي، وتقوية الثقة بالنفس، وتطوير المهارات، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي، بهدف خلق امرأة قادرة على اتخاذ قرار وإنهاء علاقة مسيئة من دون خوف.
وبشكل عام تخوض المرأة المصرية معركة دفاع عن حقها في حياة كريمة، ومعركة أخرى أكبر لتغيير ثقافة كاملة، وبرغم طول الطريق وتعدد التحديات، فإن ما تحقق خلال السنوات الأخيرة يكشف عن تحوّل عميق، فالمواجهة لم تعد فردية، ولا خفية، ولا يائسة، بل صارت جماعية، وجريئة، ومسنودة بمؤسسات الدولة والمجتمع.
إنها معركة تستحق الإضاءة دائما، لأنها تتعلق بنصف المجتمع، وبحياة أكثر أمانا وعدلًا لكل امرأة مصرية.