البسايسة بالشرقية: أول قرية تستخدم الطاقة الشمسية لإنارة الشوارع والبيوت
البسايسة بالشرقية: أول قرية  تستخدم الطاقة الشمسية لإنارة الشوارع والبيوت
27 مايو 2024

من سمات الوفاء ورد الجميل عندما يتذكر العالم أصوله ويسعى إلى أن يخدم أهله وجذوره, فكان الدكتور (صلاح عرفة) أستاذ الفيزياء بالجامعة الأمريكية خير مثال على خدمة أهل قريته في الشرقية (البسايسة) التي أنشأ منها قرية نموذجية صديقة للبيئة والتنمية المستدامة عندما فكر منذ ما يقارب من 50 عاما في أن ينشئ بها أول محطة لتوليد الطاقة الشمسية في مصر للتخلص من تلوث الطاقة الكهربائية، عن طريق استخدام التكنولوجيا لتوليد الكهرباء لإنارة المنازل والشوارع وتشغيل الأجهزة الكهربائية لتصبح قرية رائدة من نوعها في الاستفادة من الموارد الطبيعية وأن تكتفي القرية ذاتيا من الطاقة وإنتاج الغاز من مخلفات الحيوانات (البيوجاز), القرية التي كان يوجد بها 5 آلاف فرد وقتها، وبدأ المشروع بـخمسين منزلا لاستخدام الطاقة الشمسية، إلى أن وصل العدد إلى 500 منزل لاستخدام الطاقة المتجددة بتمويل ذاتي من أهالي القرية، كلٌّ على حسب إمكاناته المادية، حيث تم عمل محطات كبيرة رئيسة للطاقة الشمسية توفر الطاقة لمنازل القرية بقيمة شهرية رمزية, ولأن التجربة وجدت رواجا ونجاحا كبيرين على مدار السنين فقد انتشرت في القرى المجاورة، وقام أبناء القرية من الأطفال عندما كبروا بإعادة التجربة في قرية البسايسة الجديدة في صحراء سيناء في منطقة رأس سدر, لتعد النموذج الجديد للتنمية المستدامة في الصحراء, وعن هذه التجربة الفريدة يحدثنا الأب الروحي للفكرة الدكتور "صلاح عرفة ":

-حدثنا عن فكرتك وهدفك في تحويل قرية البسايسة إلى نموذج ناجح؟

عندما قررت أن أعمل تنمية مستدامة لأهلنا في الريف اخترت قرية البسايسة في الشرقية كعودة إلى الجذور, وبحثت مع أهلها سبل التنمية والاستفادة من الطبيعة بكل الطرق, فكانت مشكلتنا الأولى هي توفير الكهرباء, فعملنا أول وحدة لتوليد الطاقة الشمسية عبارة عن خلية مكونة من إلكترون سالب، وأيون موجب يمتصان الطاقة الشمسية لتحويلها إلى طاقة كهربائية، وتُخزن في بطاريات حتى يتمكنوا من استخدام الكهرباء ليلا في عدم وجود أشعة الشمس لتشغيل الأجهزة والإنارة, ثم سخنا المياه بأشعة الشمس للاستغناء عن الغاز والكهرباء في سخانات المياه, كما أوجدنا طرقا لتسخين الطعام وطهيه باستخدام طاقة الشمس المتجددة أيضا.

-هل وجدت استجابة وتفهما للفكرة في البداية وبخاصة أنه كان وقتا مبكرا الحديث عن الطاقة المتجددة؟

في البداية لم يفهم أغلب السكان الفكرة، وعرضت نماذج صغيرة لإيصال المعلومة, وكان الكثيرون يشاركون برغم عدم وعيهم الكامل بأهمية استخدام الطاقة الشمسية فقط من أجل توفير فاتورة الكهرباء, ولكن الأجيال الجديدة هي الأكثر استيعابا بل أوجدوا أفكارا أكثر للتنمية من خلال الطاقة المتجددة ونقلوا معي فكرة القرية بعد أكثر من 20 عاما إلى قرية البسايسة الجديدة في صحراء سيناء.

-من هذا الكلام هل نفهم أن وحدات الطاقة الشمسية أسعارها مناسبة وهل هناك من مول المشروع؟

بالعكس الألواح الشمسية وخلايا توليد الطاقة مكلفة في السابق ونوعا ما الآن, ولكن مع التوعية والترشيد في استخدام الطاقة داخل المنازل يمكن أن تكون موفرة عن طاقة الكهرباء المعتادة, أما التمويل في قريتي البسايسة القديمة والجديدة فهو تمويل ذاتي, فقط أنشأنا جمعية تنموية لإدارة التنمية والطاقة داخل القرية، وكل المنازل دفعت حصتها من التكلفة، ومن لم يستطع يدفع اشتراكا رمزيا شهريا، ويعمل في المشروع مجانا سواء صيانة أو أعمال تنمية موازية قائمة على الطاقة.

-في رأيك لماذا لم يتكرر نموذج قرية البسايسة وتعميمه على القرى والمدن المصرية؟

أرى أن قريتي البسايسة القديمة والجديدة هما نموذجان فريدان لن يتكررا بسهولة، فقد كان كل من أسهم وشارك في المشروع متعاونا ومتكاملا ويبحث عن تنمية حقيقية, وكان وراء المشروع رجال علم مخلصون أنا واحد منهم, وعملنا توعية كبيرة لأهل القرية حيث إن الوعي في هذا المشروع كان البطل, مما أدى إلى نموذج لم يتكرر, إضافة إلى أن الدولة تفرض شروطا كثيرة على من يريد إقامة وحدات توليد طاقة من الخلايا الشمسية, ومع زيادة تكلفة وحدات الطاقة الشمسية بسبب ارتفاع سعر الدولار, كل هذا سبب لعدم انتشار الفكرة.

-هل تعطينا مثالا على حجم وسعر وحدة توليد طاقة شمسية لبيت صغير أو منزل كبير؟

تبلغ قدرة أصغر محطة طاقة شمسية منزلية نحو 5 كيلو واط، وتصل تكاليف إنشائها إلى نحو 4 آلاف دولار, أي أن متوسط تكلفة إنشاء محطة طاقة شمسية صغيرة على منزل أو فيلا يتراوح بين 200 إلى 300 ألف جنيه وأحيانا أكثر، حيث يحدد السعر بناء على قدرة المحطة والألواح الشمسية والمحولات المستخدمة في التركيب، وهي صالحة لتوليد طاقة لمدة تزيد على 25عاما, وإذا استخدمت الإضاءة والأجهزة بنوع من الترشيد في استخدام الطاقة ستعود تكلفة الوحدات في غضون من 7 إلى 10 سنوات إلى الأفراد، وتُستخدم الطاقة مجانا لبقية السنين من عمر الوحدة.

-هل تتمنى أن تُعمم فكرتك في تنمية المدن والقرى واستخدام الطاقة الشمسية؟

بالطبع أتمنى هذا الأمر، ويمكن أن يحدث في حالة أن تدعم الحكومة استيراد الخلايا الشمسية, أو تدعم الخام والحصول عليها من وزارة الكهرباء والطاقة حتى يتمكنوا من حل مشكلة الكهرباء بشكل عام وتخفيف العبء على الدولة، ليصبح متاحا للجميع"، وبخاصة أن هناك إقبالا كبيرا الآن على خلايا الطاقة الشمسية من الأهالي ولكن يشكون من ارتفاع الأسعار, والأهم أنها ستحل مشكلات مهمة في المناطق الصحراوية والأراضي المستصلحة التي تحتاج إلى الماء والطاقة كأركان أساسية للتنمية في تلك المناطق .

- حدثنا أكثر عن قرية البسايسة الجديدة وما يميزها عن مثيلتها القديمة ؟

_ في منتصف التسعينيات بدأنا إنشاء قرية البسايسة الجديدة ومشروع خاص بمجتمع صحراوي في رأس سدر جنوب محافظة سيناء. وتقع البسايسة الجديدة على بعد 200 كيلومتر من البسايسة القديمة وعلى بعد 190 كيلومترا من القاهرة، وتعتمد بصورة أساسية على الزراعة وتستغل حوالي 750 فدانا , حيث قام أبناء القرية القديمة بإدخال تقنيات متطورة إلى القرية، مثل إعادة تدوير المخلفات الزراعية لإنتاج الغاز واستخدام الطاقة الشمسية لإنتاج الكهرباء والحرارة واستغلالها في أغراض التدفئة.

الأكثر قراءة