لا شك أن الوقت بمثابة ثروة نملكها جميعًا بالتساوي، ولكن نختلف في كيفية إنفاقها، لدرجة أنه يصل بنا الأمر إلى الإقرار بأن الأربع وعشرين ساعة أصبحت غير كافية لإنجاز المهام، ولعل ما يفسر ذلك هو أننا نستهلك أوقاتنا في غير محلها، مثل تصفح الإنترنت، والذهاب والعودة من العمل، وشراء احتياجاتنا اليومية من السوبر ماركت، وغيرها من النشاطات اليومية الروتينية التي تسرق أوقاتنا دون دراية.
يُعد الوقت أكثر شيء نهدره بلا وعي، ونكتشف ذلك بالنظر إلى المهام التي قمنا بها على مدار أسبوع كامل، هذا ما أوضحه الموظف سعد الدين محمود وتابع قائلًا: وجدت أنني أستغرق وقتًا طويلًا في التفكير، مما يؤثر على ساعات النوم، ويؤثر على إنجازي للمهام، لذا اتبعت عددا من الإستراتيجيات التي قدمها الخبراء، منها تقسيم الوقت لفترات منفصلة، وتخصيص وقت محدد لكل مهمة على حدة بدلًا من جدولتها، ومن ثم أخذ فترات راحة بينها، إضافة إلى ترتيب الأولويات وفقًا للأهمية، وجمع المهام المتشابهة معًا للعمل عليها في وقت واحد.
“بدأت أضع أمامي ساعة حتى لا ينفلت الوقت مني، وبمجرد انتهاء الوقت المحدد للمهمة أحصل على استراحة”، هكذا بدأت نيهال مجدي مديرة تسويق إلكترونى بإحدى المدارس حديثها متابعة: وتكون مدتها 5 دقائق ومن ثم أستكمل، مما جعلني أستمتع بوقت كثير خلال اليوم، وساعدتني تلك الطريقة على إدخال أنشطة مفيدة في روتين يومي، مثل تعلم لغة جديدة، وممارسة الرياضة.
القراءة وفرط التفكير
"دائما ما يضيع وقتي وأستهلكه في التفكير ومواقف لم تحدث من الأساس” هذا ما أفصحت عنه زينب محمد متابعة: وهو ما يجعلني لا أستطيع الاستمتاع بوقتي الحاضر، فقمت بالذهاب إلى «لايف كوتشين» ساعدني على ترتيب أفكاري بشكل مبدئي، ونصحني بالقراءة لتوسيع مداركي، والتغلب على تلك الأفكار والتخيلات المُهدرة للوقت، إضافة إلى الانغماس في التجمعات الأسرية، والتعبير بشكل واضح عن آرائي وأفكاري من خلال التدوين اليومي، مما ساعدني على تحليلها يوميًا ومواجهتها.
“أصبحت شخصا مُنجزا اجتماعيا بعد تطوعي في العمل بإحدى الجمعيات الخيرية” هذا ما بينه الطالب مصطفى حمدي قائلًا: كان وقتي أغلب أيام الإجازة يضيع في النوم واستهلاك الإنترنت ولكن لفت انتباهي في يوم من الأيام منشور يحتوي صور مجموعة شباب متطوعين ويساعدون الأسر المحتاجة، مما جعل الفكرة تسيطر علىّ، ومن هنا قررت البحث والالتحاق بأحدهم، وبالفعل تغير عالمي وتبدلت صفاتي للأفضل، لذا حينها عزمت على إكمال ما أنا فيه حتى بعد عودة الدراسة، وأصبح هذا هو شغلي الشاغل، ومن هنا أصبحت أقدر قيمة وقتي أكثر، وبعدت عن التكنولوجيا قدر الإمكان لكونها سببا رئيسيا في ضياع وقتي، برغم وجودها وظهورها للحفاظ على أوقاتنا.
الوظيفة أم الأحلام
“وقتي رأس مالي” هكذا بدأ الشاب سيد حسنين كلامه موضحًا: كنت دائمًا ما أؤمن بتلك المقولة فبعد تخرجي كان حلمي فتح شركتي الخاصة ولكني كأي شاب التحقت بوظيفة روتينية لمجرد تحقيق أحلام غيري وفقًا لجداولهم الزمنية المحددة، ومن هنا قررت التخلي عن تلك الوظيفة واستغلال وقتي في السعي بجد لتحقيق أحلامي الشخصية من دون عُجالة أو تسرع، وأصبح لدي الآن ثمن واضح لكل دقيقة مهدرة من وقتي في أشياء لا تستحق.
وبصدد استغلال الوقت إيجابيًا هناك مقولة طريفة شهيرة للكاتب الأمريكي مارك توين تحفز الإنسان على عدم التسويف واستهلاك وتضييع الوقت دون فائدة تقول: “إن كان لا بد لك من أكل ضفدع في يوم ما، فابدأ بأكله في الصباح وقبل كل شيء“، مما جعل الخبراء يضعونها كإستراتيجية مثالية للتعامل مع المهام الكبيرة والمعقدة.
جدولة المهام
في السياق ذاته قدمت جامعة هارفارد الأمريكية نصائح مثالية لاستغلال وإدارة الوقت بشكل مثالي، لتستطيع استعادة وقتك الثمين بطريقة فعالة، جاء أهمها إنشاء تقويمات وجداول محددة للمهام، لتحتوي على جميع المواعيد والفعاليات القادمة في مكان واضح يسهل رؤيته، لتستطيع ترتيب أمورك، وحتى لا تفاجأ بما هو قادم، ويمكنك هنا الاستعانة بالتقويمات والتطبيقات الرقمية.
اضبط منبه هاتفك لتذكيرك بالمهام من حين إلى آخر لتجنب ضياعها في أوقاتك المزدحمة، وكن على ثقة بأن إدارة الوقت تعني تهيئة نفسك للنجاح مُسبقًا وتزويدك بالأدوات اللازمة لإنجاز المهام بثقة.
انتبه لإيقاعك الشخصي، فإذا كنت تبدأ يومك عادة بنشاط، فقم بوضع خطط للدراسة أو إنجاز المهام في ذلك الوقت، أما إذا شعرتَ بالخمول بعد الظهر، فامنح نفسك وقتًا لأخذ استراحة، سواء كانت مشاهدة التليفزيون، أو رؤية الأصدقاء من دون الشعور بالذنب، فوضع جدول وفقًا لطبيعتك سيساعدك على تحقيق أقصى استفادة من وقتك.
وأوضحت هارفارد أنه لا مانع من وجود خيار جدولة المهام، مؤكدة وجود فرق بين الجدولة والتسويف الذي يحد من نشاطنا، ويزيد من توترنا بسبب كثرة المهام، وإذا كنت تواجه صعوبة في تنظيم جدولك اليومي، ففكر فيما يمكنك تأجيله أو رفضه ببساطة، وسيتفهم من حولك ذلك، فلا مانع من رفض مهام أو أفكار غير متلائمة معك.
أكدت “هارفارد” أن إدارة الوقت لا تقتصر على إنجاز العمل فحسب، بل تشمل أيضًا ضمان وضع نفسك وصحتك النفسية في المقام الأول، فتخصيص وقت لنفسك باستمرار في جدولك اليومي يُساعدك على الحفاظ على توازن صحتك النفسية وحياتك، وأخيرًا أكدت أنه بجانب كل هذا يجب أن تتصف بالمرونة والواقعية، فأحيانًا قد تطرأ ظروف غير متوقعة، ولا تتمكن من إنجاز كل ما خططت له في يومك، لذا تحل بالصبر عندما لا تسير الأمور كما هو مخطط لها، فإدارة الوقت لا تعني الالتزام بجدول زمني صارم فحسب، بل تعني أيضًا منح نفسك مساحة للتغيير.
ابتعد عن المشتتات
في هذا الشأن نصحت الدراسات العلمية المختلفة أيضًا بالحد من مضيعات للوقت غير مفيدة، بل مُسببة للتشتت مثل الإدمان الرقمي، سواء كان الشاشات والاستهلاك غير المبرر لوسائل التواصل الاجتماعي، والتعرض لمحتوى غير هادف، أو حتى الانغماس وإدمان الألعاب الإلكترونية التي تلتهم الوقت من دون فائدة، مما ينعكس على الفرد سلبًا، فيجد نفسه مُحبطا وقلقا من دون سبب واضح، إضافة إلى شعوره الدائم بالذنب والندم على ضياع الفرص لعدم وجود خبرة كافية، ووجهت بضرورة الاشتراك في أنشطة بدنية وذهنية مختلفة، وتحديد أهداف واضحة طويلة المدى، ومراقبة كيف يتم استهلاك الوقت يوميًا لتنظيمه بشكل مثالي مثمر. المدى، ومراقبة كيف يتم استهلاك الوقت يوميًا لتنظيمه بشكل مثالي مثمر.