ما بين إقرار التعريفة الجمركية وتعليقها، وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العالم بين فكي رحى، كثيرون يرون أنه إن أقرها ستحصد الأخضر واليابس، وأنها لن تصب في مصلحة الاقتصاد الأمريكي بأية حال إن أصر هو على إقرارها بشكل نهائي بعد مرور مهلة الـ09 يوما، وآخرون يرون أنها قد تكون في صالح بعض الدول الأكثر تصديرا للمنتجات المحلية إلى أمريكا.
فيما يتعلق بالتصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخصوص فرض الرسوم الجمركية الأمريكية، من الضروري معرفة انعكاسات تلك السياسات الجمركية على الاقتصاد المصري، سواء من حيث الفرص التي يمكن استغلالها أو التحديات التي تستوجب استعدادًا إستراتيجيًّا، مع التركيز على القطاعات الأكثر تأثرًا، ومدى قدرة الدولة على تحويل هذه التحديات إلى مكاسب اقتصادية فعلية.
حيث يرى الدكتور وائل النحاس الخبير الاقتصادي وخبير أسواق المال، أن تطبيق الرسوم الجمركية عالميًّا، وبخاصة في السوق المصرية، له أبعاد مزدوجة: إيجابية وسلبية، فمن الجانب الإيجابي أن ذلك قد يمثل فرصة لتعزيز الصادرات المصرية، بخاصة في ظل اتفاقية «الكويز» التي تتيح لمصر تصدير منتجات إلى الولايات المتحدة الأمريكية دون رسوم جمركية، شريطة أن تتضمن نسبة من المكونات الإسرائيلية، وهذا يمنح المنتجات المصرية ميزة تنافسية واضحة، لا سيما في قطاعات مثل الغزل والنسيج، ويجعل من مصر مركزًا جاذبًا للاستثمارات الصناعية التي تستهدف السوق الأمريكية.
وأنه بإمكان مصر استغلال هذه الظروف لجذب مصانع أجنبية تبحث عن أسواق بديلة للولايات المتحدة الأمريكية، مما سيسهم في زيادة معدلات التصدير، وتحقيق عوائد اقتصادية ضخمة للدولة، كما يمكن إعادة تصدير منتجات تم تصنيعها محليًّا إلى الأسواق الخارجية، وهو ما يعزز من قدرة مصر على التفاعل مع التغيرات العالمية بشكل مرن وذكي.
تأثيرات سلبية
وبرغم هذه الإيجابيات، فهناك بعض التداعيات السلبية المحتملة، أبرزها التأثير على العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي، الشريك التجاري الأكبر لمصر، إذ يبلغ حجم التبادل التجاري معه نحو 32.5 مليار يورو، ومع تراجع سعر الدولار مقابل اليورو بأكثر من %10، ستتأثر الواردات الأوروبية بالارتفاع، مما يؤدي إلى زيادة أسعار السلع في السوق المحلية، وبالتالي ارتفاع معدلات التضخم.
كما أن انخفاض قيمة اليوان الصيني يتيح للمنتجات الصينية منافسة نظيرتها المصرية داخل السوق المحلية، وهو ما قد يضر بالصناعة الوطنية، بخاصة إذا لم تتخذ الدولة إجراءات للحد من الواردات غير الضرورية، في ظل رغبة بعض الدول في تصريف مخزونها في الأسواق البديلة بعد فرض الجمارك الأمريكية.
وفيما يتعلق بقطاع الطاقة، فإن تكلفة الاستكشاف والإنتاج قد تصبح مرتفعة مقارنة بأسعار البترول العالمية، ما قد يدفع بعض الشركات الأجنبية إلى وقف أنشطتها في مصر، لذا على الدولة أن تلجأ إلى أدوات تضمن لها استمرار الإنتاج، وعدم تعرضها لأزمات في الإمدادات البترولية.

تقييم الوضع إستراتيجيا
يرى البعض أن ترامب «لا يخطئ في إستراتيجيته، بل يسعى إلى إعادة تمركز أمريكا كمركز للإنتاج العالمي»، وأنه يعمل على إنهاء ما يسميه بـاقتصادات المؤشرات الزائفة، والعودة إلى «الاقتصاد الحقيقي» القائم على التصنيع والإنتاج، ما يفعله ترامب هو إعادة الأموال الأمريكية من الخارج، وتقوية الدولار الرخيص لدعم الصناعات المحلية، وفي الوقت نفسه فرض رسوم جمركية عالية على المنتجات الأجنبية؛ ليجعل المنتج المحلي أكثر تنافسية، أي أنه يلعب بذكاء اقتصادي كبير، ويضغط على العالم لتقديم تنازلات تجارية لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، فهو يريد أن يجعل من يوم فرض الرسوم الجمركية يومًا لتحرير الاقتصاد الأمريكي.
تعليق مؤقت
فيما كان رأي الخبير المصرفي محمد عبد العال، عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي، أن قرارات فرض الرسوم الجمركية الأمريكية المتبادلة تعد إحدى أدوات الرئيس ترامب السياسة الاقتصادية التي استحدثها، مستهدفا إعادة التوازن أو التكافؤ التجاري مع البلدان الأخرى.
وبرغم أن الرئيس الأمريكي قد علق تنفيذ فئات الرسوم الجديدة على كل الدول لمدة ثلاثة أشهر، فيما عدا الصين، فإن هناك اتفاقا بين معظم كبار الاقتصاديين في الدول المتضررة، على أن تلك الرسوم إذا ما طبقت فعلا، وهو الاتجاه الغالب في ضوء تصميم الرئيس الأمريكي على استعادة حقوق أمريكا من دول العالم وعلى الأخص الصين، فإنها ستؤدي إلى أن تعم الفوضى والخسائر معظم قطاعات وأنشطة الاقتصاد العالمي، بل سيطال الضرر الاقتصاد الأمريكي نفسه، وحذر معظم اقتصاديي العالم من احتمالات دخول العالم في حالة من الركود التضخمي، وأنه سوف تتأثر سلبا قطاعات مهمة بشكل كبير، وعلى الأخص صناعة السيارات والأدوية وخدمات التكنولوجيا.
موقف مصر
بالنسبة لمعظم الدول النامية مثل مصر التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجاتها من سلع أساسية ووسيطة، ورأسمالية، بالطبع من المتوقع أن يكون هناك تأثير محدود مباشر للتعريفات الجمركية، ناتج من صغر حجم التبادل التجاري المباشر بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي، فإن أي تعريفات جمركية مباشرة تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية على الواردات من مصر، أو العكس، سيكون تأثيرها المباشر محصورا ومحدودا، ومع ذلك، فإن الخطر الأكبر على الاقتصادات النامية كمصر، يكمن في التأثير غير المباشر الناتج من تصاعد التوترات التجارية العالمية، واحتمالية حدوث ركود تضخمي عالمي، هذا السيناريو إذا حدث كليا أو جزئيا يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع كبير في تكلفة الواردات من جميع أنحاء العالم، وتراجع في الصادرات، واضطراب في سلاسل الإمداد، وضغوط على العملة المحلية، مما قد يكون له تأثير سلبي على معدل التضخم، وعدم استقرار أسواق النقد الأجنبي في معظم الدول النامية ومنها مصر.
ولكن على الجانب الآخر فإن الرسوم الجمركية الأمريكية إذا ما طبقت وفقا لما كان معلنا قبل تعليقها، من الممكن أن تمثل لمصر فرصا حقيقية قابلة للاستثمار، والاستغلال والتوسع، بخاصة في مجال المنتجات الصناعية التي تتمتع بها مصر بميزة تصديرية نسبية، ونقوم بتصديرها فعلا للولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال وليس الحصر صناعة وتصدير المنسوجات والملابس الجاهزة، إذ يمكن لمصر أن ترصد الفُرص الحقيقية المتاحة والمتمثلة في إمكانية جذب الشركات العالمية من الدول المتضررة من الرسوم الجمركية الجديدة ذات الفئات المرتفعة إلى العمل والإنتاج في مصر، حيث تتوافر العمالة الكثيفة الرخيصة والمدربة، والبنية الأساسية الجاهزة، أضف إلى ذلك سعر صرف الجنيه المنخفض، وهذا في صالح تنافسية صادراتنا، وما ينطبق على المنسوجات ينطبق على سلع تصديرية أخرى يمكن لها في ظل الفرق الكبير بين فئات التعريفة الجمركية أن تتغلغل إلى الأسواق الأمريكية .
تحديات وسيناريوهات
إن التحديات التي ولدتها الرسوم الأمريكية يمكن أن تتحول إلى سيناريوهات وخطط إستراتيجية لتوسيع نطاق السوق أمام مختلف الصناعات المصرية التصديرية سواء في أمريكا أو الأسواق الدولية الأخرى؛ بشرط زيادة الطاقة الإنتاجية الحالية عن طريق تطوير البنية الأساسية، واستخدام التكنولوجيا الحديثة، والذكاء الاصطناعي، وتوفير التمويل اللازم بأسعار معقولة، أي أننا أمام مجال جيد مليء بالتحديات، ولكنها قابلة لأن تتحول إلى فرص حقيقية.
مرونة مع الأزمة
وحول تأثير التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بشأن نيته فرض رسوم جمركية كبيرة على واردات بعض الدول، يرى الدكتور خالد الشافعي الخبير الاقتصادي، أن مثل هذه السياسات قد تؤدي إلى اضطراب الأسواق العالمية، ورفع تكاليف المنتجات بشكل عام، ما يؤثر سلبًا على سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، مع العلم بأن الرسوم الجمركية لا تؤثر بشكل مباشر على معدلات التضخم في مصر، لأن فرضها يتم عادة على السلع المستوردة غير الأساسية، وهو ما يحد من انعكاسها على الأسعار المحلية، وأن الزيادة في الرسوم تستهدف تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز الصناعات المحلية، لكنها قد تؤدي إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج في حال طالت المواد الخام أو مستلزمات التشغيل المستوردة، وهو ما قد يُترجم إلى زيادات سعرية في بعض السلع.
أما عن التأثير الفعلي للرسوم الجمركية على العلاقات التجارية، فإن التوترات الجمركية، خصوصًا مع الولايات المتحدة الأمريكية، قد تخلق تحديات للصادرات المصرية، بخاصة في ظل وجود رسوم أمريكية مرتفعة تصل إلى% 10 على بعض المنتجات، مما يقلل من تنافسيتها في الأسواق العالمية، وهو ما يؤكد أن مصر بحاجة إلى التوسع في إنتاج السلع القابلة للتصدير، وتوفير بيئة اقتصادية مستقرة، لضمان الحفاظ على تنافسية منتجاتها في ظل المتغيرات العالمية.