أعادت موضة موسم خريف وشتاء ٢٠٢٥-٢٠٢٦ تعريف الفكر التقليدى عن الخياطة والنسيج، فهو موسم يجمع بين العودة إلى الحرفية واللمسات اليدوية مثل القصّات الملموسة والصوف والمخمل، وبين اختيارات جريئة على مستوى المواد: سواء كانت أليافا قابلة للتحلل، أو أنسجة من مكونات حيوية، أو تركيبات تضيف خصائص جديدة من مقاومة الماء إلى الإضاءة الحيوية.
يُعد هذا المزج استجابة مباشرة لضغوط الاستدامة وطلب المستهلك لأصالة المنتج وقدرته على السرد، ومن الواضح أن المواد المستدامة والتصنيع الرقمي احتلا مساحة أكبر في هذا الموسم.
وبيت الأزياء الهولندي العالمي إيريس فان هيربن مثال حي على هذا؛ فقد قدمت المصممة هذا الموسم قراءة جريئة لما يمكن أن يكون عليه عالم الأزياء الراقية في زمن يتطلب حلولًا محورية ومستدامة، تصميمات فنية مبتكرة، ومبهرة، وعصرية في الوقت ذاته، تحاكي المستقبل بلمسة إبداعية مميزة، تعتمد على تقنيات متطورة لخلق أشكال ثلاثية الأبعاد؛ فهي مجموعة يندمج فيها العلم والابتكار مع الفن والأزياء.
ساعدت طريقة العرض علي إظهار التصميمات بصورة خيالية، فطريقة الحياكة جعلتها تبدو ككائنات تتحرك، فتضم المجموعة فستانًا مصنوعًا من طحالب مضيئة تتفاعل باللون الأزرق على المسرح كأنها فعلًا تصميمات من المستقبل، وهناك فساتين أخرى امتازت بالجرأة والعصرية عبر العديد من التفاصيل، ولم تقتصر فقط على جهد المصممين أو الحرفيين، بل صُممت أيضًا بالتعاون مع باحثين علميين، فهي بالفعل تجربة علمية حسية في مجال صناعة الأزياء.
صديقة للبيئة
تشجع المجموعة مبدأ الموضة المستدامة والصديقة للبيئة؛ فقد اعتمدت على مواد طبيعية مثل أوراق الموز وحبوب الكاكاو الطبيعية وغيرهما، فهناك دمج بين عالم البحر من خلال استخدام الطحالب في بعض التصميمات، وعالم الأرض والبر من خلال استخدام موارد طبيعية مستخرجة من الطبيعة والشجر.
تعتمد المجموعة على تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد والقص بالليزر لخلق هياكل معقدة وغير تقليدية تشبه الهياكل البحرية والعضوية، وتُدمج مع الأقمشة التقليدية لخلق ملمس فريد يبدو كأنه ليس من صنع الإنسان، واستُلهمت من النظم البيولوجية والظواهر الطبيعية لتصويرها في شكل فني مستقبلي يمنح إحساسًا بالحركة والتدفق، وكأنها تنمو وتتغير مع حركة الجسم.
ثلاثية الأبعاد
أما الأقمشة فهي شفافة، وتُدمج مع المواد الصلبة المطبوعة ثلاثية الأبعاد، والألوان غالبًا مستوحاة من الطبيعة: ألوان معدنية ولؤلؤية ودرجات داكنة تعكس عمق المحيط.
وبرغم سطوة التكنولوجيا في المجموعة، تبقى الحرفية اليدوية جزءًا لا يتجزأ من العملية؛ فالتشطيب اليدوي والتجميع الدقيق وطريقة دمج العناصر الرقمية بالمكونات اليدوية تثبت أن التكنولوجيا عندها ليست بديلًا عن الحرفية، بل أداة لتوسعها، هذا التزاوج هو ما يجعل قطع الدار قابلة للعرض في متاحف الفن المعاصر، لأنها تتجاوز وظيفة الملابس لتصبح منحوتات متنقلة.
العرض في أسبوع الموضة العالمي في باريس كان خياليًّا أبهر الجميع، فكان تجربة كاملة تجمع بين الأزياء والفن والجمال؛ تجربة علمية وفنية تفتح أسئلة تقنية حول العلاقة بين البشر والمواد والبيئة، فالتصميمات المبتكرة، وقصّات الفساتين وطريقة عرضها، والأضواء المنبعثة منها، وحتى أداء العارضات، جعلت من العرض مسرحًا خياليًا مليئًا بالإبداع.
تجريب وحرف يدوية
حرفية اليد والتجريب الرقمي والمواد البيولوجية المتجددة تشكل معًا لغة جديدة للموضة، لغة قد تتحول خلال عقد إلى اشتراط صناعي جديد، أو تبقى مساحة عرضية للفن والابتكار، فالمصادر الصحفية والصناعية التي راقبت العرض أكدت أن ما رآه الجمهور هذا الموسم هو خطوة متقدمة في هذا الاتجاه، لكنها خطوة داخل سلسلة طويلة من تجارب تتراوح بين الفن والتجارة والبحث العلمي.الجديد بالذكر أن هناك بيوت أزياء عالمية تستخدم تقنيات مشابهة لتقنيات هيربن؛ فهي ليست الوحيدة، لكن ما يميزها هو مستوى التكامل بين العلم والتصميم، وعلى مستوى التقنيات نفسها، بدأ عدد من الدور الكبرى والمتخصصة في استكشاف الطباعة الثلاثية الأبعاد والقطع الرقمي مثل شانيل وبرادا ولويس فويتون وبالينسياجا، لكن معظم هذه الدور توظف التقنية لتعزيز سلسلة الإنتاج، أو لصنع قطع محددة، بينما فان هيربن تجعل من التقنية لغة أساسية في سردها الإبداعي.