منذ آلاف السنين وما زالت الحضارة المصرية القديمة تبهر العالم بجلالها وغموضها وجمال تفاصيلها التي جمعت بين القوة والروحانية، لم تقتصر بصمتها على العمارة و الفنون، بل تسللت إلى كل مجالات الإبداع الإنسانى، لتصبح مصدر إلهام لا ينضب في عالم الأزياء العالمية، رموز مثل الأجنحة الذهبية وعين حورس والتيجان المهيبة والأقمشة الغنية بالذهب واللازورد تحولت إلى مفردات جمالية استلهم منها كبار المصممين ليعيدوا تفسيرها بلغة معاصرة تمزج بين الأسطورة و الحداثة.
من أزياء هوليوود في فيلم كليوباترا إلى مجموعات «الهوت كوتيير» على أهم منصات الموضة في باريس وروما ونيويورك، حيث يحضر المصريون القدماء دائما كرمز للخلود والجمال والأنوثة الفاتنة، من باريس إلى بيروت، ومن شانيل إلى زهير مراد، تظل الحضارة المصرية مصدر إلهام خالد للمصممين الذين يسعون للجمع بين الأصالة والحداثة، وأثبتت تلك المجموعات أن الحضارة المصرية القديمة ليست مجرد ماض تاريخي، بل أسلوب حياة جمالي خالد يعيد إلى الأزياء جوهرها الأول، لتكون فنا يروى الحكايات، ويحمل في طياته روح الحضارات التي صنعت الجمال الإنسانى منذ الأزل.


شانيل تعيد الحضارة المصرية إلى الموضة العالمية
في خريف وشتاء 2018-2019 أقامت دار الأزياء الفرنسية الشهيرة شانيل عرض «حرف الفن» مجموعة باريس- نيويورك في متحف المتروبوليتان الفني بنيويورك، وبالتحديد في معبد دندور الفرعوني، ما أعطى العرض روحا أسطورية تعيدنا إلى مجد الحضارة المصرية القديمة، ولكن برؤية شانيل العصرية.
بالنسبة لكل من جابرييل شانيل وكارل لاجرفيلد المدير الإبداعي للدار آنذاك، تعد نيويورك نقطة مرجعية، المدينة التي لا يوجد بها مستحيل تُقدم فيها مجموعة «حرف الفن» تقليديا في شهر ديسمبر خارج الجدول الزمنى الرسمي لعروض الأزياء، وتستند دائما إلى وجهة مرتبطة بتاريخ أو اللحظة الحالية كمصدر إلهام رئيسي لكل مجموعة، وتجمع التصميمات بين العاطفة والإبداع والحرفية والحداثة والتميز التقني.

وكانت هذه المجموعة واحدة من أبرز العروض التي جمعت بين الفخامة التاريخية والهوية العريقة للدار، مع لمسات استحضرت الإرث الملكي والحضارة المصرية القديمة، وقد استوحى لاجرفيلد المجموعة من مصر القديمة، ولكن ليس بطريقة حرفية فحسب، بل مزج بين التاريخ وأسلوب شانيل الكلاسيكي، والفكرة الأساسية كانت «مصر من خلال عيون شانيل» ذهب ورخام ونقوش حجرية مقابل التويد واللؤلؤ والقصات الفنية.
يقول لاجرفيلد عن المجموعة: «الحضارة المصرية كانت واحدة من أولى الحضارات التي فهمت معنى الفخامة والخلود والرمزية، وشانيل تجسد اليوم الخلود في عالم الموضة الحديث»، وكانت المجموعة احتفالا بالماضي الأسطورى وروعة المستقبل، وعبقرية شانيل في جعل التاريخ موضة قابلة للارتداء.
تم توظيف التويد الفاخر بخيوط مدمجة، والشيفون والحرير بحركة انسيابية تشبه الكتان المصري القديم، والجلود المعدنية بألوان الذهب، والكريستالات والشبكات المعدنية المدمجة داخل الأقمشة لمحاكاة الدروع الملكية الفرعونية.
فيما سيطر اللون الذهبى بدرجاته كرمز للشمس والخلود في الحضارة المصرية القديمة، والأبيض العاجي والعظمي رمز النقاء الملكي، والبيج والتويد الطبيعى بصمة شانيل، وعبر استخدام الأسود العميق عن الأناقة الخالدة، ولمسات من الأزرق اللازوردي والفيروزى كإشارة إلى الأحجار الكريمة المصرية.
ومن أهم تصميمات المجموعة البدلة الحديثة، من تويد ذهبي بقصة حادة الأكتاف تذكر بالتيجان المصرية القديمة، وتنانير ضيقة مع فتحات هندسية، وبنطلونات معدنية ذهبية تظهر القدم وكأنها مكسورة بالذهب مثل التماثيل المصرية الرائعة، وفستان أبيض ملكي وجاكيت تويد مزخرف باللؤلؤ وطبقات من السلاسل الذهبية والفضية على الرقبة كما في صدر توت عنخ آمون، وقمصان وجواكت مع قبعات دائرية ذهبية مستوحاة من تيجان الملكات المصريات، وعباءات شفافة تسمح بحركة هوائية توحى بأجنحة إيزيس.
الإكسسوارات كانت عنصرا محوريا في المجموعة، فالقلادات متعددة الطبقات، ومزيج بين اللؤلؤ والسلاسل الذهبية ورموز الحضارة المصرية القديمة، والأساور العريضة التي تحاكي أساور ملوك وملكات مصر، والأحذية الذهبية المستوحاة من الأحذية الملكية بتصميم عصري مفتوح، والحقائب جاءت على شكل أهرامات صغيرة، أو مستوحاة من أعمدة المعابد المصرية القديمة.
كليوباترا تتألق من جديد

لطالما كانت جاذبية مصر القديمة مصدر إلهام لمصممى الأزياء في جميع أنحاء العالم ليس فقط بسبب خلود أنماطها، ولكن بسبب الغموض الساحر لحضارتها العريقة، بعد عامين فقط من عرض شانيل، عاد السحر المصرى القديم ليخطف الأضواء مجددا، ولكن هذه المرة بلمسة عربية شرقية فاخرة من المصمم اللبناني زهير مراد الذي يرى قيمة في البحث عن الإلهام من التراث الثقافي في مجموعاته المختلفة، في مجموعة الهوت كوتير لربيع وصيف 2020، قدم مراد احتفاء مهيبا بالأنوثة الملكية المستوحاة من ملكات مصر القديمة، في عرض اتسم بالفخامة والدقة الحرفية.
استخدم في مجموعته تفاصيل أرت ديكو المصرية، وقام بتجربة الألوان والأنماط لتقليد الهيروغليفية ولوحات المقابر، ولم تقتصر الروح المصرية القديمة لديه في التفاصيل البصرية فحسب، بل امتدت إلى روح العرض نفسه الذى جاء مفعما بالموسيقى الشرقية، والإضاءة الذهبية التي جعلت المنصة أشبه بممر ملكي في معبد مصري قديم.
تلعب المجموعة على التقابل بين التاريخ والحداثة، واستخدام ألوان ومفردات مصرية قديمة مع خامات معاصرة مثل التويد المعدني، والشيفون اللامع، وتقنيات الهوت كوتير من تطريز يدوي، وخرز كثيف، والتصميمات متوازنة بين القوة الظاهرة في الجواكت، والتركيبات الذهبية والأنوثة الواضحة في الفساتين الطويلة الشفافة والقصات الضيقة، أما الإكسسوارات فتكمل الصورة لتجعل العارضة تبدو كملكة عصرية قادمة من بردية أثرية.
الاختيار الدقيق للألوان ينبع من القطع الأثرية والرموز المصرية القديمة مثل الذهبي الأنيق، والأزرق الجعراني، والأبيض العاجي النقي، والذهبي بدرجاته من الأصفر اللامع للنحاسي والبرونزي، هو اللون الأساسي السائد، يظهر في التطريز والخرز والأقمشة المعدنية، ويعطى إحساسا ملكيا واضحا.
فيما يشير الأزرق الفيروزى إلى حجر الفيروز المصري، ورمزيته التاريخية، ويستخدم في الترصيع، والأبيض العاجي أو العظمي استخدم للموازنة مع الذهبي، بخاصة في الفساتين الشيفون والجواكت البوكليه، واستُخدم الأسود العميق للتباين وإبرازالتفاصيل الذهبية، ويظهر في الأطراف أو كطبقة تحتية، وكل من الأحمر القاني والمرجاني والأخضر الزمردي، كألوان مساعدة تظهر في التطريز لتكوين لوحات مصغرة مستلهمة من البرديات والرموز الأثرية.

وتنوعت التصميمات بين فساتين السهرة الطويلة المطرزة بالذهب والفضة، وتلك التي حملت نقوش الأجنحة الملكية، وأحزمة الخصر المزدانة بالرموز الهيروغليفية، وأراد المصمم أن يجسد في كل فستان روح كليوباترا وحتشبسوت ونفرتيتي، ليروى عبر الأقمشة حكاية القوة والهيبة والأنوثة التي لا تنكسر، فالتنورة ضيقة وطويلة، والفساتين مصنوعة من الشيفون أو الساتان، مع انسيابية تشبه أزياء الملكات في البرديات القديمة.
أما الإكسسوارات فلم تكن مجرد عناصر تكميلية، بل كانت جزءا أساسيا من الفكرة الفنية والهوية الحضارية للمجموعة، فقد تعامل معها المصمم على أنها امتداد للأزياء وليست إضافة إليها، فلم تستخدم للزينة فقط، بل لترسيخ الهوية التاريخية التي أراد المصمم إبرازها، وجعلت العارضات يبدين وكأنهن ملكات خرجن من بردية فرعونية إلى عالم حديث.
القلادات عريضة، وطوق توت عنخ آمون، وجاءت القلادة كقطعة مركزية فوق الصدر تشبه الياقة المصرية القديمة التي كان يرتديها الملوك والكهنة، مصنوعة من كريستالات ملونة وأحجار شبه كريمة وخرز ذهبي وأشكال هندسية تحاكى رموز الحضارة المصرية القديمة المقدسة، وأجنحة إيزيس، مصممة بطريقة تغطى أعلى الجذع، وكأنها درع ملكى يمنح المرأة هيبة ملكة من العصر الذهبي لمصر.
الأساور العريضة، مستوحاة من أساور قدماء المصريين المصنوعة من المعادن المطلية بالذهب، والمطعمة بالأحجار الزرقاء والفيروزية لتعكس رمزية حتحور، والحياة الأبدية، فيما جاءت الأقراط على شكل أعمدة معابد أو رموز مثل عين حورس، ومفتاح الحياة، وأغلبها طويل يلامس الكتف ليعكس التوازن بين الوجه والياقة المطرزة.
الأحزمة ليست عملية بل هي زحرفية عبارة عن منحوتات معدنية مطرزة تحيط الخصر مستوحاة من أحزمة تماثيل الفراعنة التي كانت ترمز للقوة والسيطرة والخلود، أما الأحذية والصنادل فذهبية، وأحيانا بكعوب مصممة بشكل هندسي أو هرمي أو مستقيم، يرمز للخلود والثبات، بعضها مفتوح من الأمام ليظهر القدم وكأنها تمثال ذهبي، وجوارب ذهبية تحول بعض الإطلالات لتكون الساق كأنها مشكلة من الذهب.