من بين الظواهر السلبية فى المجتمعات تنمُّر الأطفال، وبخاصة فى المدارس، حيث يشهد بعضها حالات شديدة القسوة تصل إلى الأذى البدني والنفسي للأطفال، مما يتسبب فى عزلة نفسية، واكتئاب يتحول فى كثير من الحالات إلى العدوانية، برغم أن بعض الإدارات المدرسية تتغاضى بل تنكر هذه التصرفات، لعدم التأثير على سمعتها التعليمية، ومن ثم الأموال التي تُحَصَّلُ، وبخاصة في المدارس الدولية.
التنمُّر والتهديدات المستمرة بالإهانة والضرب أو حتى الفضائح قضية شائكة وظاهرة فجة، أخذت صورا مخيفة، وخرجت عن دائرة الطفولة أو المراهقة، كالتنمر على الشكل واللون والهيئة الاجتماعية.
شهدت بعض المدارس ظواهر لم تكن معروفة من قبل مثل العنف المدرسي، فالإهانة اللفظية التي قد تبدو بسيطة أصبحت شائعة، واليوم تشهد بعض المدارس تجاوزات خطيرة تبدأ بكلمة، وتنتهي بآثار نفسية مؤلمة.
هكذا يوُلَدُ المتنمِّر
هناك أسباب كثيرة تسهم في تحول طفل في مرحلة البراءة إلى شخص متنمر عنيف يستمتع بإيذاء الآخرين، يفسرها التحليل النفسي والاجتماعي لتركيبة المتنمر، ويشرحها د. تامر البسيوني استشاري الطب النفسي العلاجي قائلًا: "التنمر منتشر من زمان، ولكن صوره اختلفت حاليا، كالسخرية من الوزن، واللون، فأي طفل تختلف لكنته غالبا ما يتعرض للسخرية، حتى لو أقرانه غير متنمرين بطبعهم، وعن تركيبته النفسية فليس بالضرورة أن يعاني الشخص المتنمر من اضطراب نفسي وسلوكي، بينما النشأة والتربية دفعتاه إلى هذا السلوك العنيف الذي يمارسه من دون تأنيب ضمير، لأن الطفل المتنمر قد يعاني من مشاعر ضعف أو نقص في تقدير الذات، مما يجعله يلجأ إلى السخرية والتهديد لتعويض هذا الشعور، وقد يكون أيضا تعرض إلى تجارب سلبية في بيئته المنزلية أو الاجتماعية، مثل الإهانة، والتقليل من شأنه، والضرب والسباب المستمرين، مما يُسهم في تعزيز سلوكيات التنمُّر والعدوانية كوسيلة لإظهار القوة أو السيطرة، لجذب الانتباه إليه في الفصل، لأنه عاجز عن التفوق الدراسي، فبالتالي يعوض ذلك بالهيمنة العدائية مع "شلة فاسدة" للتسلية.
وقد يصبح وسيلة لتخفيف شعور العجز أو التهميش، أو للتنفيس عن العدوانية الناتجة عن مشكلات عاطفية أو أسرية، وإذا لم يتلقَ الطفل الدعم العاطفي والتوجيه الصحيح، قد يصبح التنمر سلوكًا مستمرًا يعكس صراعاته الداخلية، وضعف قدرته على التعبير عن مشاعره بطريقة صحية، وبالتالي يصل إلى الإيذاء بجميع الطرق لفرض الهيمنة من دون عقاب رادع له.
التوعية هي الحل
ولتفادي وتقليل نسب التنمر المزعجة التي باتت مرتفعة وبصور إجرامية، أشار د. البسيوني: إلى أنه "يجب التوعية بصورها كافة، الإعلامية، والدرامية، والتوعية المدرسية لأولياء الأمور قبل ذويهم، لأنهم الذراع المحركة والرادع الأول لأولادهم، وتعزيز الوازع الديني في داخلهم بأن هذا الفعل حرام شرعا، وليس من الأدب والاحترام السخريةُ أو إلحاق الأذى بغيرنا بأي صورة، وأيضا من المهم تربية أولادنا على احترام خصوصية وطباع غيرهم وعدم اختراقها، ومن المهم تعليم ابنك كيف يقدم المساعدة الممكنة لمن يتعرض للتنمر من دون أن يتعرض للأذى، سواء بالكلمة، أو الرفض بإيماءة لسلوك هذا الشخص العدواني.

تساؤلات بعض الأسر تتكرر، بل أصبحت موضع إزعاج مجتمعي ومنها: كيف أساعد ابني على رفض هذا السلوك المتنمر، وما السبل اللائقة للدفاع عن نفسه والخروج من الأزمة أقوى؟ أجاب استشاري الطب النفسي العلاجي: "سؤال ممتاز، فبداية التخلص من المشكلة تعليم الطفل الدفاع عن نفسه، وأهم سلاح يتسلح به هو ثقته بنفسه وصورته الذاتية، علّم ابنك أنه مميز إذا كان يعاني من اختلاف عن أقرانه، وبالتالي الثقة بالنفس حائط صد ضد رصاص المتنمر وكلماته العدوانية، وتنمية المهارات المختلفة، وكذلك الرياضة مهمة لتعزيز سلامته النفسية والبدنية، وتلقي دورات تدريبية للدفاع عن النفس بالإيماءات، وفرض سيطرته الاجتماعية الإيجابية بكل حب ولطف، لأن التنمر له درجات، فإذا تجاوز الحد المسموح للدفاع عن نفسه يلجأ إلى الإدارة المدرسية للفصل بينهما، ومن ثم تقديم شكوى ضد الطالب المتنمر، وتفريغ الكاميرات، وتعزيز المراقبة من هيئة الإشراف المدرسي، لأن الضحية في الغالب لا يستنجد بمن ينصفه خوفا من بطش المتنمر وأقرانه، ودور الآباء مهم في الإنصات لأولادهم والاستجابة لهم، ثم التدخل المباشر وغير المباشر لحماية أطفالهم، ويجب ألا نغفل دور المدرسة بضرورة عقاب المتنمر، لأنَّ أي سلوك عدواني لا يجد الردع ينتشر أكثر.
درجات التنمُّر اللفظية والجسدية
وعن أعراض تأثر الطفل بالتنمر والأذى النفسي أكدت د. إيمان عبد الله أستاذ العلاج النفسي السلوكي والأسري قائلة: "هناك أمور تشير إلى ذلك، ومنها: الاضطراب النفسي مثل الاكتئاب، واضطرابات في النوم والطعام، وانطوائية شديدة وعزلة عن الأهل، ونوبات الهلع والخوف، والاضطراب السلوكي الذي يظهر في العنف والعدوانية المضادة لطبيعته، والتلفظ بألفاظ خارجة كرد فعل، والأخيرة هي مرحلة الاستسلام، وتعبر عن ضعف الطفل أمام هذا الأذى، والأساس لتفادي هذه المشكلات هو التربية السليمة، وقوة العاطفة والترابط الأسري داخل البيت.
وهناك معادلة بسيطة لتحديد حجم المشكلة، إذا كانت العلاقة الزوجية إيجابية ينتج عنها أطفال أسوياء وسعداء، وإذا كانت متوترة وفيها خلل مثل الأب يضرب الأم ينتج عنها أطفال عدوانيون، كما أن عنصرَيْ التربية والوازع الديني مهمان، لأنهما حماية نفسية للطفل.
كما أن التدخل النفسي مهم، وله توقيت يجب أن تتخذ فيه الأسرة الخطوات بشكل مبكر عن تلك الخطوات اللازمة، سواء للطفل أو المراهق المتنمر عليه (الضحية)، حيث أشارت د. إيمان عبد الله قائلة: "تنقسم درجات التنمر إلى سلوكيات لفظية، وجسدية، واجتماعية، وقد تشمل السخرية، والتهديد، أو العنف الجسدي، ومع ملاحظة الآباء لا بد أن يتدخل المختص للعلاج عندما يصبح التنمر يستدعي الدعم النفسي والتوجيه من مختصين لتقويم السلوك وتخفيف تأثيراته، أما خطة التعافي فيجب دعم الطفل أو المراهق المتنمر عليه، من خلال توفير بيئة آمنة ومفتوحة للتعبير عن مشاعره، بالإضافة إلى تعزيز تقديره لذاته، من خلال الاهتمام بمواهبه والإنجازات الصغيرة، وتشجيعه طوال الوقت، والمساندة العاطفية، كما يمكن استخدام العلاج النفسي مثل العلاج السلوكي المعرفي إذا تطور الأمر كما ذكرنا سابقا، فالمعيار الذي يحدد تدخل المختص هو تصرفات الطفل وسلوكه.
كن صوتًا للحق
لا يسير المركب من دون شراع يوجهها في الاتجاه المناسب، فالمشكلات المجتمعية، تحتاج إلى توعية وتوجيه، وفي رسائل مقتضبة لتحمل المسئولية للحد من نسب التنمر، والذي ينتهي في الأغلب إلى جرائم وانتحار أشارت د. إيمان قائلة: "رسالتي إلى الطالب.. كن واعيًا أن الاحترام أساس التعامل بين الزملاء، وأن قوة الشخصية لا تعني الإساءة للآخرين وفرض الرأي والتصرفات غير اللائقة، بل في قوة الشخصية وجذب محبة الجميع تكمن المساعدة وحُسن الأخلاق، لا تكن متفرجًا على التنمُّر، بل كن صوتًا للحق، وبلّغ عن أي تصرف يؤذي زميلك، وإن كنت ضحية، فتذكر أنك لست وحدك، وتحدث مع معلميك أو والديك فورًا، وواجه الأمر بكل شجاعة، أما رسالتي إلى أولياء الأمور وبخاصة أولياء أمور المتنمرين فهي: "أرجوكم ربوا أولادكم، كونوا قدوة حسنة، الجسارة لا تعني البلطجة، وكل طفل مرآة حقيقية لأخلاق أسرته".
بيئة آمنة
وللآباء فرسالتي إليهم: "ابنكم بحاجة إلى بيئة آمنة تحفزه على التعلم والإبداع، راقبوا سلوكه، فإن ظهرت عليه علامات الحزن أو الخوف، وجب الحوار بلطف لمعرفة ما يمر به، علّموه كيف يكون قويًّا في مواجهة الإساءة، وكيف يثق بنفسه، ولا تترددوا في التواصل مع المدرسة عند الحاجة، التربية تبدأ من البيت، فغرس القيم الصحيحة والثقة بالنفس في نفوس الأبناء هما مسؤوليتنا جميعًا".
والرسالة الأهم والأبرز للإدارة المدرسية باختصار "من أمن العقاب أساء الأدب"، "وبما أنني مختصة في العلاج السلوكي في العديد من المدارس الدولية، أقولها بصراحة: أغلب المدارس لا يعنيها سوى آلاف الدولارات المدفوعة من كل طالب، لا توجد قيمة حقيقية للمعلم داخل الحرم المدرسي، والطلاب لا يوجد بينهم احترام ودعم، أرجوكم يجب وجود قوانين صارمة على الجميع، مع دعم نظام المراقبة من هيئة الإشراف المدرسي، والكاميرات، منعا لحدوث كوارث أو للحد من حدوثها، فالتعاون بين الأسرة والمدرسة هو المفتاح للقضاء على التنمُّر، فمعًا نستطيع بناء بيئة تعليمية آمنة مليئة بالاحترام والتسامح.