هي قصة حب وكفاح ونجاح لأم استطاعت أن تصل بابنها مريض التوحد إلى نجاح أثار دهشة الكثيرين، إذ مثَّل مصر في المحافل العالمية كعازف بيانو وفارس، فقد استطاعت الأم "كانو" ذات الجنسية اليابانية برعايتها لابنها المصري أن تُشيِّد جسورا من الصبر والحب يعبر عليها إلى بر الأمان والنجاح، فهي دائما حائط الصد في وجه عواصف الحياة،
وترى الأم أن الحب غير المشروط يمكن أن يضيء عالما صامتا، وأنها بهذا الحب والسلام النفسي، يمكنها أن تصنع المعجزات وتواجه تحديات التوحُّد. تحديات يومية ولحظات مضيئة في حياتها مع ابنها تحكيها بصدق، وهي تمنحه دائما لقب فنان البيانو المصري العالمي، عزف في فيينا ونيويورك وطوكيو، وسيعزف في أي مكان بصفته عازفَ بيانو مصريًّا. متى اكتشفت أن ابنك مصاب بمرض التوحد؟ وكيف؟ اكتشفت إصابته بالتوحد عندما كان عمره ستة أشهر،
لأنه لم يكن يلتفت إلى حركة وصوت أصابعي عندما أداعبه ولا يتفاعل معي، ولم يكن ينظر في عيني، ولا يبكي أبدا، في أول الأمر كنت أشعر بأن عدم بكائه أمر مريح، ولكن بعد هذا بدأت أقلق، فهو يسمع ولكن لا يستطيع النطق بأي كلمات، ويجري من دون هدف، وكان متعبا جدا لي كأم. واكتشفتها من خلال تفاصيل بسيطة،
مثلا أنه لا يقوم بإغلاق القميص بالطريقة الصحيحة مع عدم تطابق الأزرار في مكانها، أمور بسيطة لكنها كانت توحي بوجود شيء مختلف. وفي عمر 4 سنوات و3 أشهر تأكدت من إصابته بالمرض، وسافرت به إلى اليابان وعرضته على الطبيب، فقال: إن تحديد المرض صعب الآن،
وما أندم عليه الآن أنني لم أتعامل مع الموقف بشكل مبكر، فربما كنت قد توصلت إلى نتائج أفضل. ماذا فعلت بعد اكتشافك هذا؟ وهل لجأت إلى الأطباء؟ بكيت، ولجأت إلى أطباء في مصر واليابان، ولكن دون جدوى من المتابعة حتى عمر 6 سنوات، وبعد هذا توقفت عن زيارة الأطباء، لأنني اكتشفت أن مفتاح العلاج هو الأسرة والحب والحنان. إسلام يعاني من اضطراب طيف التوحد،
ورغم ذلك فهو مثل كل مصابي التوحد، شخص ودود ويتمتع بروح طيبة، بالرغم من أنه غامض بعض الشيء. كيف تعرفت إلى مواهب ابنك؟ وهل عندما تختارين له هواية يتفاعل معها؟ هو لا يستطيع تحديد ما يناسبه، ولكنه يستطيع فعل كل ما يتعلمه إذا تعلمه بطريقه صحيحة، فالأطفال المصابون بالتوحد لا يظهرون مواهبهم بسهولة، واخترت له البيانو لأنني أجيد العزف عليه، وقد بدأ في محاولات للعزف على آلات أخرى مثل الكمان والكلارينيت والطبلة وغيرها،
ولكنني لم أستطع استكمال المشوار معه، لأنني لا أجيد العزف على أي منها، فقررت أن يكمل مشوار الموسيقى مع البيانو. ولم يستطع تعلمه قبل سن الرابعة عشرة، لأنه قبل هذا لم يكن يستطيع الجلوس لبضع الوقت أمام البيانو أو التركيز في أي شيء، إذ كان دائم الحركة. اخترت له الموسيقى بالتحديد لأنه لا يتكلم، وأتصور أن الموسيقى لغة عالمية يمكن أن يعبر بها ويتواصل من خلالها مع العالم الخارجي. مَن علمه العزف على البيانو؟ تعلم البيانو في اليابان على يد معلمه الخاص،
ثم عدنا إلى مصر، وكان معلمه يأتي أحيانا إلى مصر، وآنذاك كان يستكمل تدريبه، ، كنت مسئولة عن حضانة للجالية اليابانية في مصر، وكان من أهم أنشطتها الموسيقى؛ إذ كنت أعلم الأطفال الموسيقى، وبخاصة العزف على البيانو والأغاني اليابانية، وتم عزف النشيد الوطني المصري في مسابقة فيينا في حضوره باعتباره ممثلا لمصر، وقد كان هذا الحدث مدعاة للفخر. ما المعزوفات التي يفضلها؟ يفضل موسيقى عمر خيرت بشكل عام وخصوصا قضية عم أحمد،
ولكنه يفضل العزف الحر أكثر من اتباع النوتة الموسيقية أو القواعد الصارمة، أحيانا في بعض المناسبات يطلب منا بعض المقطوعات بالذات، ولكن في أغلب الأحيان أقرر ما يقوم بعزفه. هل توقعت هذا النجاح المبهر لابنك؟ لا، لم أتوقعه إطلاقا، فقد مكثنا عاما كاملا نتدرب على مقطوعة موسيقية واحدة، وقد كان يعزف بيد واحدة، وأخذنا وقتا طويلا لأعلمه كيف يعزف باستخدام يديه الاثنتين. لماذا اخترت أن تقيمي في مصر وليس في اليابان؟ ولد إسلام في اليابان، وعدت به إلى مصر عندما كان عمره ثلاثة أشهر، ثم رجعت لليابان وذهب هناك للحضانة، وعرضته هناك على أكبر طبيب متخصص في حالات التوحد، وقال لي آنذاك: إنه لا يزال صغيرا،
ولا نستطيع تحديد حالته بالضبط، وهنا قررت أنه لا يجب انتظار الأطباء وآرائهم، وبدأت في التعامل مع الحالة بمنتهى الحب واللطف، فقرأت كثيرا، وحاولت أن أعلم نفسي كيفية التعامل مع طفل التوحد، واخترت مصر لأن الظروف كانت أفضل بالنسبة لي، فقد كان عدد الأطفال اليابانيين في الحضانة التي أعمل بها قليلا، وكان هذا مريحا بالنسبة لي،
ليظل إسلام معي دائما، وأعتني به هو وأخته (مي) التى تبلغ من العمر الآن 29 عاما، فهى تصغره بثلاثة أعوام، ودرست القانون وتعمل في اليابان. من وجهة نظرك، ما العلاج الذي حقق نجاحا معه؟ وكيف وصلتِ إلى هذا النجاح؟ الحنان والعطف من كل المحيطين به، هذه الطريقة المثلى للتعامل معه من كل المحيطين به، وهذا أفضل من أي دواء أو علاج أو حتى طريقة تدريس. في الواقع يصعب التعبير بالكلمات، فقد تعلمت منه الكثير وبخاصة الصبر، ولم نصل بعد إلى ما يرضينا، والطريق إلى الإنجاز المراد والحلم لا يزال طويلا. هل ذهب إلى المدرسة، وهل لديه أصدقاء؟ ذهب إلى الحضانة في غابة في جبال اليابان،
منطقة طبيعية رائعة، وعندما جاء إلى مصر دخل مدرسة الجالية اليابانية بالهرم حتى الفصل الخامس الابتدائي، وبعد هذا قالوا لي: إنهم لن يستطيعوا استقباله أكثر من هذا، وآنذاك ذهبت وتطوعت أن أكون مدرسة هناك دون مقابل، على أن يظل ابني في المدرسة معي لأتابعه، وبالفعل أكمل الدراسة حتى الصف الثالث الإعدادي، وهو الآن يستطيع قراءة وكتابة بعض الكلمات باللغة اليابانية، أما اللغة العربية فهو يقرأ ويكتب بها اسمه فقط. ماذا عن تفاعله مع العالم الخارجي؟ هو لا يستطيع الكلام، ويردد أحيانا بعض الكلمات التي يسمعها فقط، ولكنه يستطيع فهم اللغة العربية واليابانية والإنجليزية، لأنها موجودة في البيئة المحيطة به، وأخيرا بدأ يهتم بمن حوله، فهناك كثير من الجالية اليابانية يأتون إلى هنا ويستمعون لعزفه،
وهذه الشقة كانت شقة حسن أبو السعود نقيب الموسيقيين، وقد اشتريتها من الورثة. حدثينى عن أهم الجوائز التي حصل عليها في حياته؟ بالنسبة للفروسية حصل على جائزة الحصان الأسود، وساعدته على الوصول إلى هذا المستوى بالرغم من أنى لست فارسة، وعلمته الفروسية صديقتي السويسرية كورين المقيمة في مصر منذ فترة طويلة، وهو يمارسها منذ أكثر من 17 عاما، وحصل عليها في مسابقة لاستعراض المواهب،
وقد شارك فيها باعتباره ممثلا لذوى الهمم، وعرض رياضة الفروسية وموهبة العزف على البيانو في الوقت نفسه. وفي عام 2011 ـ وعمره 19 ـ عاما شارك في مسابقة للبيانو في فيينا بالنمسا، وكانت أول مسابقة يشارك فيها، وحصل فيها على جائزة بتهوفن، وفي نيويورك حصل على الجائزة الفضية في مسابقة لذوي الاحتياجات الخاصة، وفي عام 2019 شارك في حفل أقيم بطوكيو لكل الفائزين في نيويورك، وكان تحت رعاية حرم إمبراطور اليابان. ويشارك في بعض المسابقات في مصر، وأتمنى أن ينال مزيدا من دعم المسئولين. حدثينى عن أهم الصعوبات والتحديات التى واجهتك فى مشوارك مع إسلام؟ لدينا معلمون رائعون في الرياضات، فمدربة ركوب الخيل صديقتي المقربة، ولدينا أيضا مدرب تنس ممتاز،
لكن الموسيقى تمثل تحديا كبيرا؛ إذ لا يستطيع قراءة النوتة الموسيقية، لذا يحتاج إلى من يعلمه مواقع الأصابع وكيفية إصدار الأصوات، ولا يوجد لدينا معلم من هذا النوع. ماذا عن مجال عملك؟ أعمل في مجال التعليم، وكنت صاحبة حضانة ومسئولة عنها، أعلم فيها أبناء الجالية اليابانية، وبها أيضا قسم للأطفال المصابين بالتوحد، ولكنني لم أستمر، فقد أغلقت الحضانة عندما كبرت ابنتي. ميلاد إسلام كانت نقطة فارقة في حياتي، فحياتي كانت مختلفة، وقبل الولادة كنت أعمل بمجال السياحة، وكنت منسقة مع التليفزيون الياباني،
وبعد هذا تغير كل هذا لأصبح مع ابني طوال الوقت لأراعيه. ما وجهة نظرك فى الأفلام التي تناولت حالات التوحُّد، وكذلك الدراما الأجنبية والعربية؟ إسلام يذهب إلى السينما معى، وأول فيلم شاهدناه معًا كان فيلم "كينج كونج"، وكان مستمتعا به، ولكن ليس له نجوم مفضلون، لأن مرضى التوحد لا يغرمون بالأشخاص،
ولكنه أخيرا وبدأ يركز مع الأشخاص حوله، وقد شاهدنا معًا الفيلم الأمريكي الشهير "فورست جامب" الذي يعاني بطله من التوحد، ولا أعتقد أن تلك الأفلام وضحَّت حجم المأساة التي تعيش فيها الأسرة التي يكون أحد أفرادها مصابا بالتوحد. ما النصيحة التي تقدمينها لكل أم تمر بظروفك نفسها؟ أهم نصيحة أن تركز كل أم مع ابنها، أنه كلما كان التدخل مبكرا كانت النتائج أفضل، ويجب أن تعرف كل أم أكثر عن التوحد، فقد درست بنفسي وتعلمت،
وأتمنى نقل تجربتي، ويجب ألا تخجل الأم والأسرة كلها من هذا، بل تقول وتعترف بأن لديها طفلا مصابا بالتوحد حتى يتعامل الناس معه بطريقة أكثر طبيعية. ماذا عن أحلامك المستقبلية؟ حلمي قريب المدى، أتمنى إنشاء مدرسة لمرضى التوحد، استلهاما من تجربتي مع إسلام، وسأدرب المدرسين بها، وستعمل المدرسة بنظام اليوم الكامل من الأحد إلى الخميس، وتعتمد على تجربة نجاح حقيقية لي مع ابني. وأسعى إلى فتح نافذة أمل للأسر التي لديها فرد مصاب بالتوحد، فلدى الأطفال مواهب ويجب محاولة اكتشافها، وقريبا سأنشئ "أوتيترا"، وهي حلمي أنا وشريكي الدكتور محمد قدري، وهي كلمة جديدة من ابتكارنا تجمع بين كلمتي أوركسترا وأوتيزم أي التوحد، فستكون فرقة موسيقية كبيرة لمصابي الأوتيزم.