روعـة الخلـود مركز الترميم والأبحاث يحيى الكنوز

30 نوفمبر 2025
يقف كصرح لا يقل عظمة عن قاعاته المهيبة وهو مركز الترميم، حيث يلتقى شغف الأيادى المصرية مع أحدث تقنيات العصر. هنا تُعامل الآثار بكل رعاية وصبر وحب، كل قطعة تدخل أبواب المركز تحمل معها تاريخًا من آلاف السنين، ومعه مسئولية أن تظل قادرة على الكلام للأجيال القادمة.
على مساحة تمتد لأكثر من اثنين وثلاثين ألف متر مربع، يتوزع المركز إلى معامل متخصصة تضخ الحياة فى الجسد الكبير، فى معمل الأخشاب تفكك ألواح المراكب القديمة، وترمم لتعود قادرة على الإبحار فى الخيال، وفى معمل المعادن تُصان تمائم من البرونز، وأقنعة من الذهب، وأدوات فضية نادرة كانت أغلى من الذهب نفسه فى زمنها، أما معمل المومياوات فيتعامل مع الأنسجة العضوية كأنها جسد ما زال يتنفس، يقرأ خطوط الزمن فى الشعر والعظام، ويفك أسرار التحنيط التى حيرت العالم، الفلسفة التى تقود العمل هى الحفاظ على المعلومة الكامنة فى الأثر.

كل خيط فى منسوجة، وكل خدش على حجر، وكل طبقة من صبغة قديمة هى شهادة على حضارة كاملة، وعن الصانع الذى عمل بيديه، عن الطقوس التى تمت ممارستها، عن التكنولوجيا التى عرفها القدماء، ولهذه الأسباب يختار المرممون أقل تدخل ممكن، ليظل الأثر صادقًا فى روايته لا نسخة مزخرفة منه.
فى مراكز الترميم يحترف المتخصصون استخدام التقنيات الحديثة مثل أشعة «إكس» التى تساعدهم على رؤية ما هو أبعد من سطح الأثر، ففى الماضى كان الأثر يبدو سليمًا من الخارج لكنه يحمل من الداخل تلفًا خفيًا، وبفضل هذه التقنيات أصبح بالإمكان رؤية هذه العيوب الداخلية وتشخيصها بدقة كفريق واحد، وخصوصًا أن الترميم ليس عملًا فرديًا، بل جهد جماعى يضم فريقًا من المرممين والمختصين، ولكل قطعة خطة عمل خاصة توضع بعد دراسة وفحص شاملين.

حيث يتفق الفريق على منهجية العمل قبل البدء، ومن أروع الأمثلة على هذا التعاون ترميم غطاء مومياء قائد السفينة الملكية «أما سيس»؛ هذا الغطاء كان مصنوعًا من مادتَى «الفيانس» والذهب، وكان مثبتًا على خلفية قماشية بدبابيس معدنية، وهى طريقة غير مناسبة تسببت فى تآكل القطعة، وبالفعل نجح فريق كامل فى إزالة هذه الدبابيس، وتنظيف الخرزات من المواد اللاصقة القديمة، ثم إعادة تثبيتها بحرص شديد على خلفية جديدة، وقد استغرقت هذه العملية وقتًا طويلا،- لأنها كانت تتطلب دقة متناهية، لأن العمل على كل خيط من الخيوط المتهالكة مع الحفاظ عليها يحتاج إلى كل هذا الوقت.