350 ألف شاب يشرحون لك كيف تحب العلوم ؟
350 ألف شاب يشرحون لك كيف تحب العلوم ؟
12 مايو 2019

 

 

 

في تنسيق الكليات معروف أن كليات العلوم إن لم يلتحق بها الطلاب حبا، فهي للأسف في نظر آخرين كلية من لا كلية له، خصوصا من خانهم المجموع في الالتحاق بكليات الطب والصيدلة، وينساق  كثيرون إليها كل عام دون أدنى ذرة قبول أو إعجاب.لذلك  قرر مجموعة شباب محبين للعلوم بكل تفاصيلها، أن يجعلوا من كليات العلوم حلما يُحب الوصول إليه وشغفا يملأ عقول الطلاب الجدد،  فكانت «تجليات العالم» التي بدأت صفحة على فيس بوك حتى تحولت لكيان وفريق عمل وأفكار على أرض الواقع، وأصبح لهم أكثر من 350 ألف محب للعلوم معهم على صفحتهم. ومن «تجليات عالم» كبر المشروع وأصبح لديهم  تجليات مسافر «نسافر لنفهم» و«تجليات عالم صغير» شعارها « سأربيك على أن الوصول للنجم الأخير هو دستورك» يعلمون الأطفال أن الرحلة ليست دائما في الوصول، إنما في الطريق نفسه.

«تجليات عالم» حلم مازال السعي فيه مستمرا.. حلم هدفه يبدو عند قراءته عميقا، لكن جار العمل على جعله يسيرا وهو «الارتقاء بمكانة العلم في مصر» .. وإليكم تفاصيل القصة.

«نُبَسِط العلم لتفهم فتسأل» هكذا كان الشعار الذي اختاره محمد أشرف مؤسس مشروع «تجليات عالم» هذا الكيان الكبير لمجموعة من شباب وطلبة العلوم، صحيح ربما لا يعد كبيرا مقارنة بمشاريع  علمية عملاقة أخرى، لكنه هو بالفعل يمثل ذلك بالنسبة لأحلامهم لأنه بدأ بفكرة، وصار حلما بالمصادفة.. نعم مصادفة، محمد أشرف يحكي عنه ويقول: « كنت أتعلم التسويق في 2014، وكان من صميم ما تعلمته أن أخرج بنتائج وتجارب حقيقية، وكان لدي اختيارات حينها إما تنفيذ شركة صغيرة أو نشاط طلابي ما، أو الاختيار الثالث وهو أن أخلق فكرة وأسوق لها، ولم تكن هناك أي أفكار في بالي متعلقة بالعلوم، وفي يوم كنت في  كلية العلوم ورأيت عمودا يفترض أنه لصندوق قمامة، لكنه وقف فارغا دون أي شيء ولا حتى الصندوق نفسه، ولا أعلم لماذا ألهمني هذا العمود فكرة «تجليات»، فكلية العلوم لأغلب الناس مكان هم مجبرون على دخوله، ومن لم يلتحق بطب وصيدلة، تكون كلية العلوم هي اختياره الأخير وهنا كان إلهام العمود، لماذا لا أخلق من شيء يراه الناس بلا قيمة دورا حقيقيا محبوبا، لماذا لا أقدم صفحة على فيس بوك تحبب الناس في كليات العلوم، وقد كان.

وضع محمد أشرف صورا وقصصا ومواقف من كليات العلوم المختلفة بأغلب جامعات مصر، متواصلا مع أصدقائه من هنا وهناك، ومستعينا بتواصل محبي كليات العلوم على الصفحة، حتى إنه أصبح يكتب عن قصص عن دكتور اشتهر بحب طلابه، أو عامل له شأنه في الكلية، وصور معامل وحودايت تحدث داخلها، وشرح مبسط لظواهر علمية ما، وأصبحت الصور والحودايت تأتيه من كل حدب وصوب بكليات العلوم هدفها تحبيب  الناس في كلياته، وكان هذا هو أول محتوى لتجليات عالم من أربع سنوات تقريبا.

 

إنقاذ الفكرة

محمد أشرف قال إن قصة الاسم جاءته عندما وجد أن كل عالم كان لديه في الأصل إبداعاته، ووحيه الخاص  الذي تجلى في اكتشافات عظيمة تناقلتها البشرية بعد ذلك، فقرر ألا يحيد عن الطريق، فكانت «تجليات عالم».. لكن مع الوقت قلت الصور، وخاف محمد وأصحابه أن تتوقف الفكرة بقلة موارد الصفحة، فقرروا التسويق للفكرة الأهم، كيف نجعل طالب علوم مميزا في عيون الناس وأنه يعرف أشياء مختلفة لا  يقدر عليها غيره..  وهنا كان لا بد من تشكيل فريق عمل متكامل، مهمته، تقديم محتوى علمي مبسط على السوشال ميديا،  ولمّا أرسل محمد طلبات انضمام من مريدين للفكرة لأن كل مجهود مبذول سيكون تطوعيا بحتا، فوجئ بإقبال رائع، حتى أصبح لتجليات عالم أقسام مسئولة عن كل تفاصيله، من تصاميم، وكتابة، ورد على الرسائل، فأصبح كيانا قائما بذاته وفريقا مكونا من 50 فردا. ويقول محمد: « وبعدما كنا نحلم بمجرد حب العلوم لطالب العلوم الجديد، كبّرنا الفكرة للارتقاء بمكانة العلم في مصر، وظلت الفكرة حبيسة الموضوعات المكتوبة حتى 2016 وأول إيفنت «رحلة الكنز المفقود».. وكانت عبارة عن أننا نستقبل طلبة الثانوية العامة، ونفهمهم كلية العلوم بعين من أحبوها ودرسوا فيها، فأصبحنا أكثر شهرة».

نسافر لنفهم

يكمل محمد أشرف – 25 سنة - الحكاية ويقول: «في إحدى المرات كنا في  رحلة لوادي الحيتان بالفيوم، وخطرت ببالنا فكرة وهي إنشاء كيان منفصل خاص بالصفحة  للرحلات العلمية المتخصصة، ففكرنا في «تجليات مسافر» وقسمنا الناس المهتمين بالفلك  والسفر ليكونوا هم القادة ونفذنا أول رحلة وفوجئنا بكم رهيب من  المشاركين، وبدأت الرحلات  تأخذ شهرة الصفحة نفسها، للصحراء الغربية، للفيوم، لوادي الحيتان، وجعلنا شعار تجليات مسافر «نسافر لنفهم».. وكانت رحلات الصحراء هي الأنسب للتجلي، لأن سماءها الأكثر صفاء على الإطلاق ويمكن استكشاف النجوم فيها بسهولة، ووصلنا الآن إلى 8 رحلات . وكان ومازال هدفنا من السفر أن نفهم .. نفهم المكان،  وتاريخه  وطبيعته».. بصحبة تجليات مسافر، يعلمون جيدا أن السفر معهم لا يهدف للمتعة أو الاسترخاء فقط، هم محبون للعلوم الفلكية في المقام الأول، يعلمون جيدا هدف رحلاتهم ويجتعمون كل مرة ليتعرفوا إلى أشخاص آخرين يشبهونهم في حبهم للعلوم والسفر.  محمد قال أيضا إن هدفهم الفرعي في الفكرة تنشيط السياحة الداخلية في أماكن جميلة في مصر لا يعلم عنها الكثيرون شيئا.

 

عالم صغير

4 سنوات للحلم الذي بدأ مصادفة جعل «تجليات عالم» أقرب للناس، الأمر الذي جعلهم كفريق عمل يلاحظون تعليقات من أمهات وآباء يطلبون محتويات علمية مبسطة لأطفالهم، وأولياء الأمور وأطفالهم شريحة لا يستهان بها في تجليات عالم.. وبالفعل فكروا في تجليات عالم صغير، والتي أطلقوها في 2018 تزامنا مع تجليات مسافر، وجعلوا شعارها «سأربيك على أن الوصول للنجم الأخير هو دستورك».. فهدفهم أن يعلموا الأطفال أن الرحلة دائما ليست في الوصول، إنما في طريق الوصول، فلا هناك نجمة أخيرة ولكن مع كل نجمة هناك اكتشاف وإنجازات، هدفهم نقل تلك الفكرة لكل أم مؤمنة بعقل ابنها، وأن يتخلوا قليلا عن الحياة الرقمية، والهواتف المحمولة والتابليت وغيرها من مستهلكات التكنولوجيا، فقدموا لهم لقاءات مختلفة، مرة خاص بالكيمياء، وثانية  بالفلك، وثالثة بالفيزياء، ورحلات للمركز الاستكشافي للعلوم، بل وتجرأوا على تنظيم مخيم خمسة أيام كاملة، فكانت النتيجة مبهرة وهي أن أطفال تجليات عالم صغير الذين يتراوح أعمارهم بين 7 سنوات و 12 سنة ، أصبحوا مقبلين على الصفحة برحلاتها  وأفكارها وأصبحوا يحبون استخدام عقولهم، والأجمل أنهم تعلموا أن يسألوا ليفهموا..

 

المعوقات والطموح والماديات

«تجليات عالم» مثله مثل أي مشروع تعوقه الظروف والمادة، محمد أشرف قال إن عدم وجود مقر يجعلهم يقلون في عدد الإيفنتات المقترحة، وبالتالي عدم وجود دخل مادي مناسب، ومن ثم لا يمكنهم المحافظة على الفريق بشكل أطول، لأن الجهد يكبر والمسئوليات كذلك، وتظل الدائرة مفتوحة،  طموحهم في تجليات عالم، أنهم يكونون أكبر موقع إلكتروني عربي يقدم محتوى علميا مبسطا، وحاليا يعدون لإطلاقه، وعلى المستوى العلمي، هدفهم كل فرد يسأل فيفهم فيسأل مرة أخرى وتظل دائرة رغبته في التعلم مفتوحة إلى ما لا نهاية.

 

فريق العمل

داليا محجوب، رابعة علوم عين شمس، تطوعت في تجليات عالم منذ 3 سنوات، تقول عن كونها عضوا في الفريق: جذبتني «تجليات عالم» وأنا في بداية حياتي الجامعية، ففكرت لماذا لا أكون سببا في أن يحب غيري العلوم ويستمتع بمجال دراستها  ودخلت الفريق، ومن الممكن أن أصف تجليات عالم بـ « شبكة من الأشخاص المُتشابهين باختلاف» فكلنا لدينا نفس الهدف وهو أن نرتقى بمكانة العلم في مصر، لكن حرفيا كل شخص عنده طريقة مختلفة عن غيره يحقق من خلالها هذا الهدف، وتعلمت في تجليات عالم،  لوعندي فكرة واحدة، هناك أكثر من ٥٠ شخصا يمكنهم تطوير تلك الفكرة ويساعدونني في تنفيذها بأكثر من طريقة مُقترحة. ومع مرور الوقت والتعب والمثابرة  ومحاولات الفريق المُستمرة أن يطور من نفسه، استطعنا أن نصل لأعداد كبيرة جدا بمُختلف الأعمار والتخصصات وحتى الجنسيات، أنا حاليا الـ Hrmanagerلفريق تجليات ولا يمكن وصف سعادتي بالتأثير الذي نحدثه لكل محب للعلوم.

نورهان عصام،  انضمت للفريق قبل عامين تحكي تجربتها وتقول: «في يوم طلبوا منا  أن نشارك في يوم للأطفال الأيتام نقدم لهم فقرة عن العلوم وكانت النتائج مبهرة عندما رأينا لمعة عيون الأطفال وانبساطهم .. إلى أن انطلقنا بتجليات عالم صغير، التي نسعى فيها لاكتشاف شغف كل طفل ونساعده لينميه، حتى لو لم تكن ميوله للعلوم، فيكفينا أن نوجه أهله لما يناسب حبه، ونساعده علي تكوين صداقات جديدة مع أطفال يشاركونه اهتماماته وشغفه والأهم أننا نساعده كي يسأل ويجرب بنفسه ويفهم. ومن المواقف التي تجعلني فخورة بتجليات عالم صغير عندما جاءنا طفل عمره 7 سنوات ويظن أهله أنه غريب الأطوار فاقدين الأمل فيه لأنه لا يشبه أصحابه والأطفال في عمره .. لكن عندما تعاملنا معه اكتشفنا أنه عبقري، ولديه قدرة رهيبة علي تشبيه وتبسيط النظريات المعقدة وفهمها، رغم عدم إجادته للقراءة والكتابة ! يسأل كثيرا فيجعلنا لا نهدأ حتى يمكننا الرد عليه .. الآن أهله أصبحوا أكثر تفهما لاهتماماته وأصبح لديه أصدقاء من تجليات عالم صغير اجتمعوا على حب العلوم. بالنسبة إلى تجليات عالم صغير تمثل لي الطموح والحياة المبهجة وتشعرني بقيمتي ودوري في هذا العالم».

فريق تجليات لا يضم في عضويته أعضاء من كليات العلوم فقط، ولكن رانيا  مجدي انضمت للفريق قبل عامين  على الرغم من أنها آداب إنجليزي، وهي أول عضو  لا ينتمى لكليات العلوم، رانيا استفادت من وجودها في الفريق، فبخلاف أنها أعادت اكتشاف قدراتها الشخصية، فقد تغيرت نظرتها لكلية العلوم التي كانت تنظر لها نظرة معقدة قبل ذلك، وكذلك طورت من مهاراتها، كمهارات النقاش أو إدارة الحوار، حتى إنها أصبحت تعمل في شركة سعودية بسبب ما أضافته لها «تجليات عالم»، واستطاعت أن تستقطب جمهورا للصفحة لا يتحدثون العربية وتعدهم بوجود مواد بلغاتهم قريبا.

فكرة تجليات عالم تثبت أن في مصر شبابا مازالوا يأملون في غد أفضل، على الأقل يحاولون بكل ما أوتوا من أمل، والقصة  لا أبطال فيها سوى عقولهم وقدراتهم الإبداعية.


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا