هل يحمل المستقبل صك براءة لكل المجرمين؟
هل يحمل المستقبل صك براءة لكل المجرمين؟
12 أبريل 2019

في عالم أصبح يميل إلى أن يتسيد فيه التفسير العلمي  والمنطقي كل الأمور, بدأت تختلط بعض الأفكار  بشكل متزايد، ومن الأسئلة التي بدأت تفرض نفسها على الساحة العلمية مؤخرا ذلك التساؤل الخاص  بالحد الفاصل بين تلك التصرفات التي تبدر   بإرادة مع سبق الإصرار, وتلك الناتجة رغما  عن صاحبها بسبب كيمياء في المخ أو جينات محددة.

 

هذا التساؤل أفردت له تقارير عديدة ومنصات فكرية وجدلية بسبب انعكاسه المحتمل على منظومة القيم والثواب والعقاب وما يمليه القضاء، في عددها الأخير الصادر في يناير, جاء تقرير لمجلة فوكاس العلمية الصادرة عن الـBBCالبريطانية يفند جوانب المسألة برمتها.

منذ عدة سنوات صدر للعالم إلايجا شتايمبرج من جامعة براندايس  كتاب بعنوان: «عقلي هو الذي جعلني أفعلها: المسئولية بين الأخلاق وعلم الأعصاب»  الكاتب شديد الاهتمام بالعقل البشري وما يمكن أن نطلق عليه فرضية البشرية والإنسانية وما تحمله من افتراضات, وله كتاب سابق حقق انتشارا واسعا بعنوان:» هل أنت ماكينة؟ ما يعنيه أن تكون إنسانا».

يقول شتايمبرج إن فرضيته هذه تصلح لهؤلاء الذين يتمتعون بأذهان منفتحة، ويتناول المخ والأماكن المخصصة فيه لاتخاذ القرار الحر, كذلك تعزز أفكاره بدلائل مستقاة من مرضى الزهايمر والباركنسون والشيزوفرينيا  ومتلازمة توريت، وكيف أن تحليل حالاتهم يدفع بفكرة مسؤولية كيمياء المخ عن الأفعال أكثر من مسؤولية الإرادة.

ويعرض أيضا أيضا لمستقبل المنظومة القضائية فيما يتعلق بتحميل المسؤولية للمجرمين في ضوء تسيد فرضية مسؤلية المخ عن الأفعال, وأخيرا يعرض للجزء الأكثر تعقيدا والذي يمكن أن يهدم النظرية بأكملها, والخاص بفرضية أن تصرفات وردود أفعال كيمياء المخ من الممكن أن تكونا منبثقتين بالأساس من الأجزاء التي يأخذ فيها المخ قرارات بالإرادة الحرة.

وفي تقرير الـ BBCعرض لنماذج عدة من التاريخ والفلسفة وعلم الإجرام وتسلسل زمني لظهور الفكرة.

تيار متزايد

من أشهر المبادرين لطرح فكرة مسؤولية كيمياء المخ كان عالم المخ والأعصاب الشهير ديفيد إيجلمان والذي طرح أيضا فكرة أن يتم إلغاء عقوبات المحاكم تماما لأن المخ هو المتهم وليس الشخص, وأن يتم بدلا منها تعزيز فكرة تأهيل هؤلاء واحتواء تصرفاتهم للإبقاء على المجتمع في أمن وسلام.

ويشير التقرير أيضا إلى دور الجنس واختلاف ميول الإجرام لدى الذكر عن الأنثى, فهناك عدة عوامل منها التركيب الكروموزومى والكرموزوم Y» «المميز للرجال يلعب دورا فى زيادة العنف فى الذكور عن الإناث، كما يلعب الهرمون الذكرى التستستيرون، حيث يزيد من العنف، بينما نقص الموصل العصبى السيروتونين بالمخ يؤدى إلى زيادة العنف.

كما تم عرض أحد الأبحاث التي أجراها العالم الألمانى «جيرهارد روث» العالم بعلم الأعصاب وفيها  توصل إلى تحديد جزء من المخ مسئول عن الجانب المظلم فى حياة المجرمين والقتلة، حيث كشف المسح بالأشعة الضوئية الذي أجرى على المخ عن وجود مجموعة من الأعصاب في الجزء الأمامي من المخ عند الأشخاص الذين يمتلكون سجلات من العنف الإجرامي.

وادعى العالم عثوره على المنطقة المسئولة عن وجود الشر عند المغتصبين والقتلة واللصوص، وقام بتصنيفها إلى ثلاث مجموعات، مؤكدا أن المجموعة العصبية المسئولة عن الشر تكمن فى الفص المركزى للدماغ وتظهر ككتلة داكنة على أشعة إكس، حيث قام بإجراء عدة أبحاث على المجرمين والذي أكد أن مخ هؤلاء يختلف عن الأسوياء من البشر.

ما بين فلسفتين

فلسفة العقاب تستند على مدرستين فكريتين: الأولى هي  أن العين بالعين, فمن اقترف جرما يعاقب بمثله لأن هذا هو ما يحقق ميزان العدالة.

المدرسة الفكرية الثانية وراء حتمية العقاب تعتمد على فكرة أن العقاب من شأنه أن يردع  المجرم حتى لا يكرر الأمر مرة أخرى أو عل الأقل يردع الآخرين عن اقتراف جرم مشابه. الاتجاه العلمي الجديد والذي بدأه في الولايات المتحدة الأمريكية العالم جوناثان جرين  يقول إنه حتى لو ظلت هناك عقوبات قانونية بفعل المنظومة القضائية, فإنها يجب أن تستند على الفكرة الثانية لتبريرها وهي الردع , لأن العلم الذي فتح الصندوق الأسود للمخ, من شأنه أن يلغى فكرة أن الجرم يحدث فقط بالإرادة الحرة, والتي تقف وراء العقوبات الانتقامية المماثلة أو الشبيهة للجرم، فمثلا إذا قام شخص بالتهجم على أحد, ينظر إلى كيمياء منطقة frontallobe  على أنها المسبب, لا إرادة الفاعل, ويتم معالجة الأمر للحد من الجريمة وهكذا.. وفي حين بدأ هذا الاتجاه في الظهور من الناحية النظرية في الولايات المتحدة منذ عشر سنوات, أخذ حيز التنفيذ بالفعل منذ أعوام في أستراليا.

على سبيل المثال, هناك قضية شهيرة لرجل هو جوردان فورلام عام 2014  تهجم على مسن، تبين فيها أن ارتجاجا كان قد مر به الجاني هو الذي أدى إلى كيمياء عصبية نظرت لها المحكمة على أنها هي المسبب, وتمت إحالة الجاني للعلاج بدون أي عقاب سوى بضعة أشهر في السجن, بعدما رأى القضاء أن المتحكم في الفعل لم يكن ما يطلق عليه الوازع القيمي moral  culpabilityوإنما كيمياء المخ.

قضية أشهر هي تلك الخاصة بتيري مارتن الذي أدين بالتهجم الجنسي على أطفال, وقام القاضي بتقليص العقوبة بشكل كبير لأنه ارتأى أن الوازع القيمي لم يكن هو المتحكم في التصرفات وإنما خلل في المخ بسبب عقاقير كان الجاني يتناولها لعلاج مرض باركنسون.

المستقبل يحمل الكثير فيما يتعلق بالتعامل مع العقل وكيميائه, يزداد التيار المطالب بتطوير أدوية تساعد على التقليل من حجم اندفاع الإنسان، إذا تبين أن لديه استعدادا جينيا لهذا الأمر, أو لأنه تعرض لحادث أو تناول عقاقير غيرت من كيمياء مخه لتدفعه في هذا الاتجاه.

فهل يخرج بنا مسار التماس العذر وتغليب العلم عن مفهوم تحقيق ميزان العدل المتعارف عليه قرونا ؟ هذا ما سيسفر عنه المستقبل.


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا