الترام يطوف بك مصر الخديوية بـ6 مليمات للدرجة الأولى و4 مليمات للدرجة الثانية
الترام يطوف بك مصر الخديوية بـ6 مليمات للدرجة الأولى و4 مليمات للدرجة الثانية
12 أبريل 2019

شاهد أهل العاصمة مشهدا قلما شاهد مثله أهالى المشرق، ولم يخطر على قلب بشر منذ مئة عام، وهو أن تجرى مركبات كبيرة تقل المئات من الناس لا بقوة الخيل ولا بقوة البخار، بل بالقوة الطبيعية التى تسبب البروق والرعود، بقوة تتولد على شواطئ النيل من احتراق الفحم وإدارة الحديد أمام المغناطيس ثم تجرى على أسلاك منصوبة فى الهواء والقضبان ممدودة فى الأرض فتدير عجلات المركبات وتجرى على ما يراد من السرعة.

هذا هو الترام الكهربائى الذى احتفل بتسييره فى العاصمة. من بولاق إلى القلعة، احتفالا باهرا فما أزفت الساعة الرابعة من الظهر حتى غصت ساحة العتبة الخضراء بالمدعوين من الأمراء والعظماء، وكبار الموظفين والأعيان، وفى مقدمتهم النظار، ومحافظ العاصمة، وقناصل الدول، ورجال القضاء، وكانت مركبات الترام واقفة صفوفا فى تلك الساعة ثم صارت تباعا إلى القلعة بين جماهير المتفرجين الذين انتشروا على جانبى الطريق وهم يهتفون سرورا، ثم عادت المركبات بمن فيها من القلعة إلى مقر الشركة فى بولاق».

هكذا وصفت صحيفة المقطم فى عددها (13-8-1896) الاحتفال بأحدث وسيلة لنقل الركاب فى ذلك الوقت، فعندما أعلنت الحكومة المصرية فى أغسطس 1893 عن رغبتها فى أن تقوم شركة بمد خطوط للترام فى العاصمة صدّق مجلس النظار فى نوفمبر سنة 1894 على منح امتياز بإنشاء سكة ترام تسير بالطاقة الكهربائية فى العاصمة لشركة بلجيكية، وتقرر أن يكون الامتياز بثمانية خطوط تبدأ كلها من ميدان العتبة الخضراء. الأول يتجه إلى القلعة والثانى إلى بولاق والثالث إلى باب اللوق فالناصرية، والرابع إلى العباسية عن طريق الفجالة، والخامس إلى مصر القديمة والسادس من فم الخليج إلى الروضة، ثم ينتقل الركاب بزورق بخارى إلى الشاطئ الآخر ليستقلوا قطارا إلى الجيزة، وهذا هو الخط السابع والثامن يبدأ من ميدان قصر النيل ويسير موازيا لترعة الإسماعيلية إلى قنطرة الليمون. وفى أول أغسطس 1896 أجرت الشركة حفلا لتسيير أول قطار كهربائى ففى العاشرة من صباح ذلك اليوم، ركب حسين فخرى باشا ناظر الأشغال آنذاك، ومعه بعض كبار موظفى النظارة قطارا أقلهم من بولاق، مارا بميدان العتبة إلى القلعة وقد اصطف الناس على الجانبين ألوفا، ليشاهدوا أول مركبة تسير فى العاصمة بقوة الكهرباء والأولاد يركضون وراءها مئات وهم يصرخون: العفريت، العفريت. وكان بعض الأميين من المصريين يعتقدون أن الجن هو الذى يدفع بالترام، وكان قد أقيم سرادق مدت فيه الموائد، وقدمت المرطبات وكل ما لذ وطاب. وكانت أجرة الركوب ستة مليمات للدرجة الأولى، وأربعة للثانية.

وفى سنة 1897ردمت الشركة الخليج المصرى، ومدت خطا من السيدة زينب إلى غمرة، وما حل صيف 1897 إلا وقد حصلت الشركة على امتياز بخط يمتد من الجيزة إلى الهرم، كما حصلت فى شتاء سنة 1902 على امتياز بخط يمتد من باب الحديد، مارا على كوبرى شبرا، ثم يتفرع منه خط إلى ساحل روض الفرج، وقد تم هذا الخط فى 19 مايو سنة 1903 وفى سنة 1908 سيرت قطاراتها من العتبة إلى الجيزة عن طريق الزمالك، بعد الانتهاء من تشييد كوبرى أبوالعلا، وكوبرى الزمالك وفى سنة 1913 مدت خط القلعة إلى الإمام الشافعى، وخط أبوالعلا إلى المبيضة بروض الفرج. وعندما وقعت الحكومة عقد الامتياز للشركة لم تخص نفسها بشىء من الدخل ولم تشترط عليها التخلى عن أملاكها وجميع ما يتعلق بها عند انتهاء مدة العقد، وقد تداركت ذلك سنة 1908، فعقدت اتفاقا جديدا، قبلت الشركة بمقتضاه أن تجعل للحكومة 5 % من إيراداتها تدفع شهريا. وقد وضعت الشركة بالاتفاق مع الحكومة لائحة خاصة، وعرضت على مجلس    الشورى فناقشها وصدق عليها. وكان أهم بنودها أن كل محدث غوغاء أو سكران أو مصاب بعاهة تشمئز منها النفس، يمنع من ركوب الترام، ونصت المادة الثامنة على أنه لايجوز وضع شىء من الأشياء على الخط ولا يجوز تسلق الأعمدة المعدة للحركة الكهربائية أو تعليق شىء عليها، أو إقامة إنشاءات كاذبة، أو السير أمام العربات السائرة، أو مرافقتها، أو المسير خلفها، أو التعلق بها بأى وجه من الوجوه، فاقترح الشيخ محمد عبده أن يزاد فى هذه المادة عبارة بين الشطرين عقب عبارة «أو السير خلفها» ويقول محمد سيد الكيلانى فى كتابه (ترام القاهرة): فى وقت ظهور الترام انتقلت القاهرة من مرحلة التخلف إلى المدنية وصار من السهل التنقل بين أحياء المدينة المختلفة وفى زمن قياسى، كما أنه ساعد إلى حد بعيد على انتشار العمران وحقق للبعض ثروات حيث ارتفعت أسعار الأراضى الواقعة بالقرب من خط سيره. 

رمضان أبوزيد العبد.. النصاب الذى باع الترام

فى عام 1948 خرج رمضان أبوزيد العبد من السجن وكان عمره 27 عاما. كان أهم إنجازاته فى عالم النصب هو بيعه الترام لأحد القرويين، حيث كان يركب ترام رقم 30 فى شارع قصر العينى، وكان يجاوره أحد القرويين فأعطاه سيجارة وبدأ معه الحديث فعرف منه النصاب أنه أتى إلى القاهرة ليستثمر نقوده فى عمل يليق به، فعرض عليه النصاب بعض المشاريع ولكنه رفضها، وعندما أبدى القروى ملاحظته على ازدحام الترام عرض عليه النصاب أن يشترى له الترام، فسر القروى وتوجها إلى محام للحصول على عقد بيع بصم عليه القروى والذى طلب منه النصاب 200 جنيه مؤكدا للقروى أنه نظرا لكونهما بلديات طلب منه هذا المبلغ فى الترام الذى لا يقل سعره لو باعه لشخص غريب عن ألف جنيه مصرى، وبعد المساومة والإلحاح من القروى تم بيع الترام بمبلغ 200 جنيه دفعها القروى المدعو حفظ الله سليمان 80 جنيها وختم على كمبيالة بمبلغ 120 جنيها، وفى ميدان العتبة انتظر الجميع الترام رقم 30 كى يستلمه القروى حيث اتجه النصاب إلى الكمسارى ومنحه قرش صاغ وكانت التذكرة حينها بـ 8 مليمات وطلب من الكمسارى أن يحتفظ بالباقى نظير الاهتمام ببلدياته الذى سينزل فى آخر الخط، ثم أخطر النصاب حفظ الله سليمان بأنه عند نهاية الخط عليه أن يذهب إلى المحصل لاستلام الإيراد كاملا وإلا سيتم إلغاء البيع وتركه النصاب.

وعند نهاية الخط نبه الكمسارى حفظ الله بأن عليه النزول، فطلب الأخير الإيراد فدهش الكمسارى وتطور الأمر إلى مناقشة انتهت فى قسم الشرطة، وانتشرت تلك القصة عالميا حتى أن مجلة «لندن» المصورة نشرت لوحة فنية فى صدر غلافها تجسد تلك القصة.


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا