المنسي في تاريخ 1919 شيخ العرب.. وتوءم سعد زغلول
الباسل «باشا» صاحب شعار «نموت نموت وتحيا مصر»
المنسي في تاريخ 1919 شيخ العرب.. وتوءم سعد زغلول <br> الباسل «باشا» صاحب  شعار «نموت نموت وتحيا مصر»
12 مارس 2019

 

يعد شيخ العرب حمد الباسل أحد أهم الرجال الذين أشعلوا – مع سعد باشا زغلول- ثورة 1919، ومنذ الثورة؛ وقبلها؛ يعتبر قصر الباسل «خيمة عرب»  للاستجارة والشجاعة والوفاء والكرم والنبل والشهامة وحل النزاع، ولهجته البدوية التي ظل طوال حياته متمسكا بها حتى وهو أمام محكمة إنجليزية لمحاكمته فصرخ بأعلى صوت «لكم أن تحاكمونا..ولكن لن تحكمونا..نموت نموت وتحيا مصر».

وظل شيخ العرب حمد الباسل مجاهدا مع سعد باشا ووكيل الوفد المفاوض لاستقلال مصر بعد اعتقال الإنجليز لسعد..

أول اجتماع لمفاوضات الوفد كان في قصر الباسل في القاهرة (وليس في الفيوم) وهو القصر الذي أهداه شيخ العرب للسعودية ليصبح أول سفارة لها في مصر.

لقب «شيخ العرب» استحقه الباسل عن جدارة منذ أن استثناه «الخديوي» من شرط السن بإصدار قراره بتعيينه «عمدة» «لقرية قصر الباسل»وعمره عشر سنوات..

مجلة «نصف الدنيا» استعادت كفاح شيخ العرب «حمد الباسل»مع حلول ذكرى 100 عام على ثورة 1919..ذهبت إلى قصر الباشا.. وكانت حوارات ولقاءات مع عائلة الباسل..

أحد أحفاده شيخ العرب – أيضا- محمد سليم الباسل «المدير السابق»لمدرسة ثانوية بالفيوم؛يتحدث بفخر عن جده الباشا قائلا:

دور«الباشا»عروبي في الأساس، وليس لمصر وحدها باعتبار أن مصر قبل الزمان بزمان زعيمة العرب، فقد فوّضه الملك فؤاد للذهاب إلى العراق للإصلاح بين قبيلتين اختلفتا، وهناك قصة في هذا الموضوع حيث كانت تقوم فاطمة الباسل بتوصيل الأوامر والخطابات بين والدها في المعتقل وأقطاب حزب الوفد في الخارج، وفي مرة شك فيها الإنجليز وهي تخرج الخطاب من شعرها وتعطيه لوالدها حمد الباسل فالتقطه منها بسرعة ووضعه في فمه وكأنه دواء، فلم يستطع الإنجليز إثبات ما حدث، فقاموا بالتحقيق مع فاطمة الباسل لفترة ثم أفرجوا عنها.

أيضا عندما سافر حمد الباسل إلى النمسا مع الوفد المصري لمفاوضة الإنجليز للجلاء عن مصر حدث بينهم خلاف، فأقام حمد الباسل في فندق، وأقام سعد زغلول وباقي الوفد في فندق آخر، فكتبت الصحافة وقتها عن خلاف الوفد المصري الذي ذهب للتفاوض، فشعر حمد باشا الباسل بالضيق وذهب إلى التمشية في شوارع النمسا وأثناء ذلك وجد مبنى كبيرا؛ عرف أنه الكنيسة التي يصلي فيها إمبراطور النمسا؛ فاستأذن للدخول لمشاهدتها ثم قدم شيكا وقال هذا تبرع للكنيسة من أحد باشاوات مصر، فقام المسؤلون عن الكنيسة بالاتصال بإمبراطور النمسا وإخباره بالتبرع الكبير الذي قدمه هذا الباشا الذي بلغ 300 جنيه، في اليوم التالي ذهب صاحب الفندق راكضا إلى حمد باشا الباسل سائلا إياه عما فعل؛ حيث قام الإمبراطور بدعوته لتناول الغداء هو والوفد الذي يرافقه، وكانت بداية الصلح بين أعضاء الوفد.

ويضيف»شيخ العرب»حفيد الباشا قائلا: قام حمد باشا الباسل بتمويل الحركة السنوسية بالأسلحة التي كان يأخذها من أدهم الشرقاوي، وذلك حتى ينتصر عمر المختار على الاحتلال الإيطالي لبلاده ليبيا، ومن المواقف المعروفة أيضا عن حمد الباسل أنه في التأبين الأول لعمر المختار بعد مرور سنة على وفاته، قامت الحكومة القائمة في ذلك الوقت (حكومة الاحتلال) بمنع إقامة التأبين، لكن حمد الباسل أصر علي إقامة الحفل، فوضعت الحكومة حراسة على بيته، واستطاع  أربعة أشخاص فقط  دخول البيت رغم الحصار من بينهم جبران خليل جبران، والشاعر الكبير أحمد شوقي، وأقاموا بالفعل حفل التأبين وتوجد الكثير من القصائد في هذه الحادثة.الطريف أن هذا البيت تبرع به لاحقا ليكون مقرا لأول سفارة سعودية بمصر.

قصر الباسل

ويضيف حفيد الباشا متحدثا عن»قصر الباسل «الذي لايزال مفتوحا حتى الآن لتقديم الخدمات والمساعدات لأهل بلدته ولأهل الفيوم جميعهم.. ويرى الشيخ محمد سليم أنه تم تهميش دور حمد الباسل تاريخيا، ويضيف: كانت شرارة الثورة الأولى وبدايتها من مركز إطسا بالفيوم؛ وكان ذلك بعد القبض على سعد زغلول وحمد الباسل فانتفض الناس وحاصروا مركز الشرطة وأمسكوا بالمأمور الإنجليزي والعساكر والضباط الإنجليز، واحتجزوهم كأسرى لديهم.

كما أن أول شهيد في ثورة 1919 كان من قرية اسمها الغرق، ثم انتقلت الثورة إلى الفيوم وجميع مراكزها وبني سويف ومن ثم إلى جميع محافظات مصر.

ويوضح محمد سليم أن الكلمة الشهيرة»نموت نموت وتحيا مصر»قالها حمد الباسل وليس سعد زغلول كما هو شائع؛ ويضيف: عندما تم عرض حمد الباسل على الحاكم الإنجليزي كان يجلس على كرسي، فقال له الحاكم الإنجليزي غاضبا: قف ليس لك أن تجلس، وأمر برفع جميع الكراسي، فجلس حمد الباسل على مكتب الحاكم الإنجليزي وقال كلمته الشهيرة»لكم أن تحاكمونا وليس لكم أن تحكمونا..نموت نموت وتحيا مصر».

جهاد وثقافة

أيضا قام حمد باشا الباسل – والحديث لحفيده- بإنشاء أول مكتبة في الفيوم، وكان من ضمن الأشخاص الذين  شاركوا في تأسيس النادي الأهلي عام 1907، وأنشأ مدرسة الباسل في الفيوم ليتعلم فيها الطلبة مجانا وكان يقدم السكن للطلبة في بيته ويدفع مرتبات المدرسين، كما أنه كان شخصا تقيا وكان لديه دفتر أسماه «دفتر الإحسان»يشمل أسماء المحتاجين  ويحدد فيه نصيبهم من القمح والقطن، وهذا الرجل ظلم بشكل كبير، فظهر في مسلسل»جمهورية زفتى»  التي كتبها يسري الجندي وهم في المعتقل مجرد شخص نائم لا يتكلم ولا يبدي رأيا على غير الحقيقة تماما.

حفيده «الأهرامي»

ويستكمل الكاتب الصحفي بالأهرام عبدالعظيم الباسل رئيس لجنة الوفد بالفيوم أحد مشاهير عائلة الباسل؛ ما بدأه محمد سليم عن الأسرار ويقول: حمد الباسل من مواليد الفيوم سنة 1871، وكان عمدة قرية»قصر الباسل»، حيث حول البيت البدوي  إلي قصر لاستقبال الزعماء والسياسيين وأقطاب ثورة 1919، لذلك سميت القرية بقصر الباسل، تعرف علي سعد زغلول سنة 1908 وفقا لما ذكرته مذكرات سعد زغلول، وتكونت صداقة بينهما وارتبطا على المستوى الشخصي، وخصوصا أن سكن حمد الباسل في القاهرة كان مجاورا لبيت سعد زغلول في جاردن سيتي.

وعندما انضم حمد الباسل لتشكيل الوفد المصري سنة 1918 كان يستضيف في بيته في جاردن سيتي زعماء الوفد، وخلال أحد هذه الاجتماعات قبض على حمد الباسل ورفاقه، سعد زغلول، إسماعيل صدقي ومحمد محمود ثم نفوا إلى جزيرة مالطا في هذه الفترة، وبمجرد أن عرف أهل الفيوم بخبر القبض على حمد الباسل ونفيه إلى جزيرة مالطا اشتعلت المظاهرات مطالبة بالإفراج عنه، واتسعت بعد ذلك المظاهرات من الفيوم إلى المحافظات الأخرى تطالب بالإفراج عن الزعيم سعد زغلول ورفاقه، وبالفعل تم الإفراج عنهم بعد عودتهم من المنفى في 17 أبريل 1919، وفي هذا العام حدث اختلاف بين حمد الباسل وسعد زغلول حول التفاوض مع الإنجليز، فكان حمد الباسل يرى ضرورة التفاوض معهم كخطوة في سبيل الجلاء وتحقيق الاستقلال، وكان سعد زغلول رافضا لذلك، فقام حمد الباسل بتقديم استقالته من الوفد وكانت تلك الاستقالة الأولى له من الوفد،بينما ظل منتميا للحزب ويعمل لصالحه، ولم يمض وقت قصير على استقالته فأرسل له سعد زغلول رسالة طالبه فيها بالعودة إلى حزب الوفد وأن يكمل كفاحه، وبالفعل عاد إلى الحزب بعد أن قبض الإنجليز على سعد زغلول ورفاقه، وبعدها قبضوا على حمد الباسل فكان ومعه ستة آخرون من الزعماء، وصدر الحكم عليهم بالإعدام ثم تم تخفيف الحكم بالسجن سبع سنوات، وسموا بالأسود السبعة.

ويضيف الأهرامي عبدالعظيم الباسل قائلا: الباسل من القيادات التاريخية ودوره الوطني معروف فهو أحد مؤسسي بنك مصر، حيث طالبه سعد زغلول بتمويل جزء كبير من الاكتتاب في بنك مصر، وكان حمد الباسل عضوا عن دائرة «أبوجندير»بمجلس النواب سنة 1924 إلى 1926 وكان في هذه الفترة وكيلا لمجلس النواب، وفي الفترة نفسها كان وكيلا لحزب الوفد فكان صاحب الوكالتين، وبعد ذلك انشق عن حزب الوفد ورغم ذلك وبسبب حبه لسعد زغلول قام بتشكيل الحزب السعدي نسبة له، والذي ضم فيه عددا من الأعضاء ومنهم  فخري عبدالنور،، وفتح الله بركات، ومراد الشريعي، وظل حمد الباسل يمارس دوره السياسي إلى أن رحل في التاسع من فبراير 1940.

ويضيف عبدالعظيم الباسل: جدنا حمد الباسل لم يكن قبليا منغلقا كما كان يتصوره البعض لتمسكه بالزي البدوي وحرصه على ارتداء الجبة والقفطان، وكان زعيما، فكان عمدة لقبيلة الرماح، وهي من القبائل المنتشرة في الفيوم والمنيا وغيرها من المحافظات، ومع ذلك كان يعقد جلسات عرفية لإنهاء بعض النزاعات بين القبائل في العراق، وكان منفتحا على  العالم بعكس ما هو معروف عن الصفات البدوية من الانغلاق على القبيلة وحدها، فتعدت جيناته نطاق القبلية وقفزت إلى القومية،، وكان الكل يخطب وده ويلجأ إليه في مضمار النزاعات، لرجاحة عقله رغم أنه كان رجلا أميا واكتسب المعرفة فيما بعد، فاستطاع أن يجيد اللغة العربية وبعض اللغات الأجنبية بتعليمه الذاتي، ليؤكد أن الشخص يستطيع أن يكون ذاته معرفيا وثقافيا وسياسيا إن أراد.

كما كان رجلا معطاء ولا يدخر جهدا فى دعم «حزب الوفد» بالمال والرجال  والسلاح إذا استدعى الأمر.

ويستكمل الكاتب عبدالعظيم الباسل حديثه قائلا: عبدالستار الباسل شقيقه كان متزوجا من ملك حفني ناصف ابنة القاضي الشهير الذي كان معينا في الفيوم، فتعرف عليها وتزوج منها وبنى لها منزلا خاصا في قرية قصر الباسل، وكان لوجود ملك حفني ناصف في عائلة بدوية سياسية واجتماعية عرفت العمل العام من خلال زوجها، وكانت تعقد ندوات تثقيفية لرفع وعي المرأة البدوية، لذلك أطلق عليها»باحثة البادية»، كما كانت فاطمة حمد الباسل (كما ذكر الكاتب مصطفى أمين في كتابه «من واحد إلى عشرة») بمثابة المندوب أو «البوسطجي» التي تحمل المعلومات من رجال الثورة في السجن إلى أقطابها خارجه أثناء محاكمة والدها، فكانت تذهب بعمود الطعام، وتخرج بالمعلومات والرسائل داخل العمود فارغا، وفي مرة شك فيها الإنجليز وهي تخرج الخطاب من شعرها وتعطيه لوالدها حمد الباسل فالتقطه منها بسرعة ووضعه في فمه وكأنه دواء، فلم يستطع الإنجليز إثبات ما حدث، فقاموا بالتحقيق مع فاطمة الباسل لفترة ثم أفرجوا عنها.


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا