أدباء ثورة 1919 ثوار صنعوا حضارة
أدباء ثورة 1919 ثوار صنعوا حضارة
12 مارس 2019

لم تكن أفكار جان جاك روسو ومونتسيكيو وغيرهما من ملهمي أفكار الحرية والمساواة والعدل الاجتماعي مُلهمة لتلك الثورات التي اندلعت في أوروبا خلال القرن الثامن عشر فحسب، بل امتد أثرها إلى مصر، فشكلت أفكار أدباء ثورات الغرب كينونة الأدباء والمفكرين المصريين الذين شكلت كتاباتهم خطوة مهمة في إعداد الوجدان الشعبي للقيام بأول ثورة شعبية في تاريخ مصر الحديث.. جيل أدباء ثورة 1919 هو جيل أحمد ضيف ومحمد حسين هيكل ومصطفى عبدالرازق ومحمد لطفى جمعة  وأحمد أمين، وسلامة موسى وطه حسين وإبراهيم المازنى وعباس العقاد، الجيل المولود فى ثمانينيات القرن التاسع عشر.

 ولن ننسى نجيب محفوظ الذي ولد قبل الثورة بثماني سنوات، فكان ابنها المباشر أيضا عاش متأثرا بها سنوات عمره يفتخر بأنه من أبنائها. كانت السمة المشتركة بين هؤلاء الذين عاصروا ثورة 1919، وانتسبوا إليها، وعيا وإبداعا، أن أغلبهم تعلم فى الخارج، الأمر الذي جعلهم على وعي بالثورات التى أسهمت فى تغيير العالم تغييرا جذريا، فقُبيل الثورة ما كانوا إلا ترجمات لغيرهم، يسيرون على ميراث جان جاك روسو وديدرو، وفولتير، وأعلام الرومانسية الفرنسية لامارتين، وفينى، وفيكتور هوجو، وموسيه، وتيوفيل جوتيه، فلم يكن مصادفة أن يقوم محمد حسين هيكل بالتعريف بكتب روسو، ويترجم طه حسين بعض روايات فولتير، مثل زاديج، ويتأثر بمنهج ديكارت الذى ترجم صديقه محمود الخضيرى كتابه «مقال فى المنهج» الذى صدر سنة 1637، وكشف طه حسين عن تأثره به فى منهج كتابه «فى الشعر الجاهلى» 1926، حتى جاءت الثورة فأسهموا على ضوئها في صنع ميراثها الفكرى والإبداعى، بالتوازي مع فكرها السياسى والاجتماعى والاقتصادى. كانت أهم ثورة سياسية فكرية في مصر، ويكفي أنها جعلت مصر تقرأ.

إعجاب أدباء هذا الجيل بالتقدم الأوروبى الذى رأوه فى البلاد التى تعلموا لغاتها، ودرس كثير منهم فى جامعات عواصمها، خصوصا باريس التى وصفها توفيق الحكيم بأنها «فترينة الدنيا» وقلبها النابض، شكل جزءا كبيرا من تقدمهم، فقد كانوا على وعى كامل بخصوصية وضعهم، والوعى الكامل بهويتهم، وأنهم لن يصلوا إلى وعيهم الأدبى المتميز إلا إذا حرصوا على فكرة الاستقلال لا التقليد، وإلا ما كان هناك شعار «الاستقلال التام» الذى ظل مرتبطا بثورة 1919، وهو ما حمله رفاعة الطهطاوي على عاتقه، ويذكر أنه توفى قبل أن يولد طه حسين والعقاد بستة عشر عاما. ولم يكن من الغريب حينها أن يدرس محمد حسين هيكل «دين مصر العام» فى باريس، وأن يكتب هناك روايته «زينب» معارضا الروايات الرومانسية الشائعة من نوع «غادة الكاميليا». ومثله كان طه حسين يقرأ أمثال «أوجست كونت» و»إميل دوركايم» كى يكتب عن ابن خلدون وفلسفته الاجتماعية، ويحتفي بمسارح باريس مع سوزان التى قرأت له عيون الأدب الفرنسى كى يعود ويحدث ثورة فى تدريس التراث الأدبى. لذلك فإن دعوة ثورة 19 إلى الاستقلال التام لم تكن دعوة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية فحسب، وإنما كانت دعوة أدبية فى الوقت نفسه، لها صبغتها المصرية الوطنية، فكان الهدف الأدبى الذى تطلع إليه أدباء هذا الجيل من تأليف القصص والروايات هو إيجاد أدب عصرى مصرى خاص بنا، ذي طابع يناسب شخصيتنا وأخلاقنا.

 

نقطة تحول

 في سياق العالمية نفسه الذي سُقي منه الشعب المصري وقتها، تحدث الكاتب إبراهيم عبد المجيد مؤكدا النقطة نفسها يقول: أيام حكم محمد علي مصر كلها كانت عبارة عن دولة عالمية، أم الدنيا على حق، يجوبها كل الغرباء، الفن والمسرح والسينما كلهم من جنسيات متعددة، لن ننسى الأخوين «لاما» ومسيرتهما في السينما المصرية كاثنين من أبناء فلسطين، وكذلك استيفان روستي وغيرهم من جنسيات مختلفة. لقد أنجبت الثورة كتابا هدفهم تمصير الأدب وتأكيد جنسه المصري بعدما كان مختلطا بكل الجنسيات. وقد نجحت الثورة في ذلك، رغم أنها لم تنجح نجاحها السياسي المرجو حسب آراء مؤرخين كثيرين، غير أنها سمحت باتساع مساحة الرغبة في التجديد، اعتبرها نقطة تحول في الأدب العربي.. إبراهيم عبد المجيد صاحب ثلاثية الإسكندرية الشهيرة، لا يعترف بأن الأجيال الأدبية لا تصنعها السنوات، إنما تصنعها الأحداث الكبرى، وهو ما حدث في ثورة 19 فأطلقوا عليهم بثقة «جيل أدباء الثورة». ويراها عبدالمجيد أهم الثورات العربية على الإطلاق، وما كان قبيل الثورة من محاولات أدبية، يراها مجرد أجنة فيها بعض من السذاجة.. يكمل حديثه قائلا: أما بعد الثورة فقد استطاع هذا الجيل أن يُعيد ويغير الحياة في كل شيء، حتى إنهم هاجموا المدارس القديمة التي كانت سائدة فى الشعر، بوصفه الفن الأعلى والأرقى للعرب، فبقدر ما كان الشعر فن الأرستقراطية القديمة أصبحت الرواية أيضا كذلك، أو فن القص بوجه عام، فن أبناء الطبقة الوسطى الذين أقبلوا عليه إبداعا وترجمة على السواء، فكتب طه حسين «الأيام» أعقاب أزمة «فى الشعر الجاهلى» (1926). وأغراه فن الرواية، فكتب أيضا «دعاء الكروان» (1934) و»أديب» (1935) ولم ينقطع عن كتابة الرواية بعد ذلك، رغم أنه لم يكن أحسن ما يكون في الورايات، لكنه أحب أن يتعايش مع حالة التجديد التي طرأت على جيله، وأحب أن ينافسهم.

 

ثورة المسرح

يحكي في هذا السياق الناقد ووزير الثقافة الأسبق جابر عصفور، عن تلك الصحوة في أدب الروايات ويقول: بالفعل تغيرت الحال في الرواية بشكل كبير، لم يعد هيكل يخجل من نسبة «زينب» إليه، فكتب اسمه الصريح عليها فى الطبعة الثالثة بدلا من «مصرى فلاح» العنوان القديم مع مقدمة تشرح ظروف كتابتها، وكان محمد تيمور قد نشر مجموعته القصصية الأولى «ما تراه العيون» التى ظهرت طبعتها الأولى سنة 1922 أي بعد وفاته بسنة، وهى مجموعة من القصص القصيرة المكتوبة بأسلوب واقعى كتبها سنة 1917، وكذلك حينما اتجه توفيق الحكيم للرواية فى «يوميات نائب فى الأرياف» (1937) ثم «عصفور من الشرق» (1938)، وهى السنة التى أصدر فيها العقاد روايته الوحيدة «سارة»، وكان آخر العنقود يحيى حقى بروايته «قنديل أم هاشم» (1944)، ولكن يحيى حقى كان، مثل محمد تيمور، قد أخذ فى نشر القصة القصيرة مبكرا، فنشر أولى قصصه «فلة ومشمش ولولو» فى صحيفة «الفجر» 1926 فى العام نفسه الذى نشر فيه طه حسين «فى الشعر الجاهلى»، وهو أمر يؤكد توازى الحركة بين ثورة الفكر وثورة الأدب. أما المسرح فقد آثر توفيق الحكيم التخصص فيه، مثلما آثر يحيى حقى القصة القصيرة، خصوصا أن محمد تيمور مهّد له الطريق بمسرحياته «الهاوية» و»العصفور فى القفص» و»عبدالستار أفندى» وأوبريت «العشرة الطيبة»، وكانت «الهاوية» آخر مسرحيات محمد تيمور التى فتحت الطريق أمام توفيق الحكيم، فقدم «أهل الكهف» (1933) التى أشاد بها أقرانه، وواصل مسيرته التى أسهمت في تعظيم هذا النوع الأدبى فكان متألقا فيه.

 

الصحف أرض المعركة

من ناحية أخرى كان للثورة بهاء آخر تحدث عنه الكاتب الصحفي أسامة الرحيمي، يخبرنا كيف كان هذا الجيل عظيما في كل شيء، فقال: استطاع بشجاعة أبناء جيل ثورة 19 أن ينتزعوا لأنفسهم مساحات من الحرية لم تكن موجودة من قبلهم على سبيل المثال كان العقاد يرى أن الجمال هو الحرية والحرية هى الجمال، فلم يتردد فى إطلاق جملته الخالدة فى البرلمان، «إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس يخون الدستور أو يعتدى عليه» فدبرت الحكومة قضية لمحاكمة العقاد بالعيب فى الذات الملكية، وقضت المحكمة بحبسه تسعة أشهر، وتلقى الحكم بابتسامة ساخرة، قائلا «ولو» وكان من نتيجة السجن كتابه «عالم السدود والقيود» ولم يكن يتردد فى الدفاع عن حق أقرانه فى التعبير الحر عن اجتهاداتهم الفكرية، حتى لو كانوا مخالفين له فى الاتجاه السياسي. وقال يوسف إدريس ذات يوم «إن كل الحرية المتاحة فى العالم العربى لا تكفى روائيا واحدا»، لذا أعتبر أن من أهم ما حققته الثورة هو الحرية الأدبية، حتى أننا كنا نرى الأدباء يتبارون في قضاياهم الفكرية على صفحات الصحف، فيشترى القارئ الصحيفة، ليقرأ كيف يكتب العقاد وكيف يرد عليه طه حسين، أجمل من أي مباراة كرة قدم، صحيح كانت هناك حروب ثقافية، لكن سقف الحرية  كان عاليا. لما سألت الرحيمي من أتى بمن؛ هل أتت الثورة بالأدباء، أم هم من فجروا الثورة؟ قال لي بصرامة: «لا يستطيع أحد الإجابة عن هذا السؤال، أراهما ارتباطا شرطيا لوجود الآخر، لا يعلم أحد إلى الآن من الفاعل ومن المفعول. من مكاسب الأدب في هذا الفترة التي تحدث عنها الرحيمي أيضا، أن الأدباء تجاوزوا مرحلة الكتابة عن الإسلاميات، حيث عُرفت وقتها عبقريات العقاد، والمؤرخ المصري أحمد أمين في سلسلة التأريخية التي شملت «فجر الإسلام» و»ضحى الإسلام» و»ظهور الإسلام»، وكذلك الكتابات في المصريات كالتي تميز بها أحمد لطفي السيد، فقد كانت الثورة أيضا سببا في إنشاء أول جامعة أهلية في مصر التي أصبحت بعد ذلك جامعة القاهرة وترأسها لطفي السيد.

 

محفوظ وزفة الفتوات

تعتبر الثورة هي الحدث المحوري في تشكيل شخصية نجيب محفوظ ورؤيته الفكرية والسياسية، فقد كان ذا تسع سنوات حينما قامت الثورة، فقال ذات مرة «أعتبر نفسى من براعم ثورة سنة 1919، فإذا كان للثورة رجالها الذين قادوها وشبابها الذين اشتركوا فيها، فأنا من البراعم التى تفتحت وسط لهيب الثورة وفى سنوات اشتعالها ولم يكن عمرى حين قامت ثورة 19 يزيد على 7 سنوات. كان حى الجمالية الذى نعيش فيه مركزا للثورة والمظاهرات، وعندما رأيت المظاهرات لأول مرة فى ميدان بيت القاضى حسبتها زفة فتوات». ظهر اثر ثورة 1919 في نجيب محفوظ فى أكثر من روايه من رواياته، وتعتبر شخصية السيد عبد الجواد المعروف باسم «سى السيد» بطل «الثلاثية» تجسيدا فنيا واقعيا وحيا لحالة المرأة المصرية واستبداد الرجل بزوجته وأولاده فى بدايات القرن العشرين، متناولا فيها أحداث بعض من أجواء الثورة رغم أن الثلاثية صدرت في الخمسينيات. غير أن الدكتور جابر عصفور ذكر في حديثه عن رواية نجيب محفوظ التاريخية الأولى أنها كانت كتابا مترجما بعنوان «مصر القديمة» للكاتب جيمس بيكي. أصدرها مترجمة 1932 عندما كان في السنة الثانية بكلية الآداب وكُتبت في ظل التيار الفرعوني الذي انتشر في مصر بعد ثورة 1919، والذي خلق في مشاعر المثقفين رغبة قوية في استطلاع حياة الأجداد وأمجادهم.

 

بين جيلين

لأنها كانت الرواية الحديثة الوحيدة من الجيل الجديد التي سجلت باسمها «1919»، للكاتب أحمد مراد، فقد حرص في الرواية على أن يصوّر عوالم شخصيات تعود إلى تاريخ ثورة 1919، بدءًا من سعد زغلول وأم المصريين حتى الأميرة نانا، التى ستصبح الملكة نازلى ذات الصيت الأكثر جدلًا فى تاريخ القصر الملكى، وحتى فدائيي الثورة، وعلى رأسهم أحمد عبدالحى كيرة، الذى عاش فى ظل حياة قاسية ينتقم فيها لذكرى أب رافق سعد زغلول، وقُتل غدرًا، ولأم باتت أسيرة منزل قاتم لا تدخله شمس إلّا بحساب، أحاط بشخصياته التى تناولتها أوراق التاريخ، وأضفى عليها قبسًا من خياله، ليؤكّد بعمله أن ثورة 19 ما زالت هى المنبع الذى يفيض بثرائه إلى الآن.


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا