فى حواره مع «نصف الدنيا» يروى «يوما أو بعض يوم »من تاريخ مصر (1-2)
محمد سلماوى: الصحافة فى عهد السادات لم تكن حرة.. وزوّار الفجر اعتقلونى عام 1977
فى حواره مع «نصف الدنيا» يروى «يوما أو بعض يوم »من تاريخ مصر (1-2)  <br> محمد سلماوى: الصحافة فى عهد السادات لم تكن حرة.. وزوّار الفجر اعتقلونى عام 1977
28 نوفمبر 2018

 

استطاع بكلماته التي خطها في مذكراته أن يسبر أغوار تاريخ مصر الحديث من خلال حياته الشخصية التي كان شاهدا فيها على التغيرات الكبرى التي شهدتها الدولة عبر تلك السنوات. ابن العائلة العريقة الكاتب والأديب الكبير محمد سلماوي خط شيئا من تاريخ بلدنا في مذكراته «يوما أو بعد يوم»، التي تشعر فيها بمتعة خاصة عندما تغوص في عالمه الخاص الذي يحكي أحوال مصر، وكيف تحول من أديب إلى سياسي بفضل سياسات الرئيس أنور السادات التي يرى أنها خالفت مبادئ ثورة يوليو. «نصف الدنيا» التقته لتكشف عن الكثير من أسرار حياته التي جاءت على لسانه في المذكرات، وعن عمل السادات سائقا فى شركة والده اثناء نضالة وتخفية من الانجليز ولكن هذا لم يجعله يتراجع عن قرار اعتقال سلماوى عندما اصبح رئيسا للجمهورية

 

- في البداية لماذا بدأت مذكراتك بقول الله تعالى «قال كم لبثتم فى الأرض عدد سنين * قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين * قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون»؟

أحببت البدء بها لأن بها قدرا من التواضع، فهى تصور حياتنا من الميلاد حتى الممات طال العمر أو قصر على أنها مجرد يوم أو بعض يوم، فهذه الآية وضعت لى صفة أساسية بنيت عليها هذه المذكرات، وهى التواضع وعدم تفخيم الذات أو الأحداث التى أقدمها، لأننى أجد فى كثير من المذكرات فى الوطن العربى هذه الآفة، حيث تشعر بأن كاتبها يكون دائما الأول فى دراسته، فقد قلت فى مذكراتى إننى لم أكن الأول بل إن هناك شهادات من المدرسة تفيد بأننى كنت «بليدا». وتفخيم الذات يفقد المذكرات مصداقيتها، لذلك أحببت أن أقول من البداية إن ما أحكيه لا يعدو كونه يوما أو بعض يوم، كما نصت الآية الكريمة فى سورة المؤمنون.

- إذا، ما أهم المبادئ التي التزمت بها عند الشروع في كتابة مذكراتك لتكون بمثابة شهادتك على تاريخ مصر الحديث، والتي مزجت فيها بين حياتك الشخصية والواقع الذي عايشته؟

من الأشياء التى التزمت بها عند كتابة هذه المذكرات أيضا الصدق مع النفس ومع الأحداث التى أرويها، لذلك سردت أشياء يمكن ألا يقترب منها الآخرون، كأول تجربة جنسية لى، أو تصورى بأننى ملحد فى فترة المراهقة، وقد عاتبنى البعض قائلين: طالما أنك الآن مؤمن فلماذا أشرت إلى ذلك فى مذكراتك؟ لكن قيمة المذكرات فى حكاية قصتى مع الإلحاد تكمن في السؤال: لماذا تصورت أننى ملحد، وكيف اكتشفت بعد ذلك أننى مؤمن؟ فهذه الرحلة جديرة بالتسجيل وقد تفيد من يقرأها.

العنصر الثالث من عناصر تحديد مسارى هو التوثيق، لأن من يكتب يمكن أن يحكى أى شىء، فإذا لم يكن هناك توثيق لهذه الوقائع فلا يكفى ذكرها حتى تكون صحيحة، لذلك اعتمدت فى بعض الأحيان على نشر بعض الوثائق، مثل خطاب أرسله إلى الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل حين رشحناه لجائزة كبرى فى اتحاد الكتاب يعتذر عن عدم قبول الجائزة ووجهة نظره فى الجوائز وموقف الصحفى منها. كما تجدني أعتمد على قصاصة من صحيفة أو صورة فوتوغرافية، أو خريطة.

- فترة الميلاد والطفولة شهدت أحداثا كثيرة منها الحرب العالمية الثانية وثورة يوليو، وتلك كانت بداية التغيرات التى شهدتها مصر وكنت شاهدا عليها، وتغيرت مصر خلال هذه السنوات من الملكية إلى النظام الرئاسى بعد ثورة 1952، فكيف تقيّم تحوّل مصر من الملكية إلى الجمهورية؟

لم أعش فى العصر الملكى سوى السنوات السبع الأولى من حياتى، ولكنني أدركت في طفولتي أحداث ثورة يوليو، وأصلت في مذكراتي لأسرتى من بداياتها، وتحدثت عن أجدادي من الجانبين، وبالتالى اضطررت إلى الكلام عن عصر هؤلاء الأجداد. وذلك برسم صورة بانورامية عن مرحلة الملكية من خلال هذه الحكايات رغم عدم وعيى بها بالقدر الكافى. أما سنوات الوعى والتكوين الفكرى فى مراحل الصبا والمراهقة فتزامنت مع فترة الثورة والمبادئ الكبرى التى كانت تطرحها، كالقومية العربية والعدالة الاجتماعية، والإنجازات التى حققتها الثورة، كالاستقلال والتحرر من الاستعمار، وبناء السد العالى وإقامة أول وحدة للعرب فى العصر الحديث.

- كيف تقيّم ثورة 23 يوليو والقرارات التى اتخذها الرئيس عبدالناصر خصوصا أن أسرتك طالها قانون الإصلاح الزراعى ونزعت ملكيتها؟

تقييم الثورة لا يكون من منظور واحد أو من خلال سياسة واحدة، لكنها ككل الثورات عبر مراحل التاريخ لها إيجابيات ولها سلبيات، لكن لا شك في أنها أفادت مصر والمصريين كثيرا جدا، بدليل أن الشعب المصرى ما زال متمسكا بهذه الثورة ورمزها جمال عبدالناصر، حيث رفعوا صوره فى ثورة يناير 2011 وهتفوا باسمه وبالمبادئ التى كان ينادى بها.

- وما أهم سلبياتها؟ وهل ترى أن قرار التأميم كان خاطئا؟

التأميم كان له عصره، أما الآن فلم تعد فكرة التأميم واردة أو قابلة للتنفيذ، أو فى نظر الاقتصاديين أنها صائبة، إنما لا بد من أن نحكم على كل سياسة فى سياقها التاريخى، فالسياق التاريخى وقتها كان يدعو للتـأميم وليس فى مصر فقط، فشارل يجول نفسه أمم صناعة السيارات والطائرات فى فرنسا، لكن هذا العهد مضى، إنما قدرة الإنسان هنا فى ألا يظل حبيس مصلحته الشخصية، وأن يتمكن من أن يعلو فوق هذه المصلحة ليرى الصورة كاملة، ويستطيع أن يحكم على المصلحة العامة، ولا ينظر إلى مصلحته الشخصية فقط. نعم أسرتى فقدت أطيانا وأممت لنا شركات ومصانع، لكن مصر استفادت.

- عايشت رؤساء مصر منذ عبدالناصر حتى الآن، وكنت شاهدا على فترات السلم والحرب التى مرت بها الدولة، حدثنا عن فترة حكم عبدالناصر وهل أسهم الحراك الصحفى فى ذلك الوقت فى نضوجك مهنيا؟

في عهد الرئيس عبدالناصر كنت طالبا فى الجامعة وتخرجت في عام 1966، عملت بعدها مدرسا بالجامعة لمدة 4 سنوات، إلى أن التحقت بالأهرام عام 1970، وعايشت مرحلة الرئيس السادات ولم تكن الصحافة فى عهد الرئيس السادات حرة على الإطلاق، رغم كل ما كان يقال عن إلغاء الرقابة وحرية الصحافة، فلم يكن هذا صحيحا، ألغى مكتب الرقابة التابع لوزارة الإعلام اسما فقط، وأصبح يباشر مهامه تحت مسمى «مكتب الصحافة»، الذى كان يقول لنا انشروا هذا ولا تنشروا ذاك، وكنا نتندر بيننا وبين بعضنا ونسميه «مكتب حرية الصحافة»، فصور السادات وهو يهدم السجون ويحرق أشرطة المراقبة كانت «شو» إعلاميا، وظهر فى برامج كثيرة قائلا: «يا همت يا بنتى أنا ألغيت زوار الفجر لأنى عانيت منهم»، والحقيقة أن زوار الفجر اعتقلونى عام 1977، وقبلها في عام 1972 تم منعى من الكتابة ونقلى من الأهرام إلى الهيئة العامة للاستعلامات. كان هناك شيء من الرياء وعدم الصدق وهذا ما «سيَّسَنى»، ففي عهد عبد الناصر لم أكن مهتما بالسياسة، لأنها لم تكن محتاجة إلى من يناصرها لأن المبادئ التى تحدثنا عنها كانت موجودة فى كل مكان، وإنما كان اهتمامى بالفن والأدب، أما فى عصر السادات فبدأت أشعر بأن هذه المبادئ يتم التراجع عنها فى أحيان وضربها عمدا فى أحيان أخرى، فشعرت بأن واجبى هو الدفاع عنها وعن السياسات التى نشأت عليها وتكونت أفكارى، فكانت جميع مقالاتى فى الفترة الأولى فى الأهرام سياسية.

- لكن ذلك لم يبعدك عن حبك للأدب، فكيف واءمت بين مشوارك الأدبي وتحولك للسياسة بسبب سياسات الرئيس السادات؟ 

تصورت أننى تركت الأدب فى الجامعة ودخلت مجال الصحافة، لكن الأديب لا يمكن أن يتوقف عن الكتابة، ومثلما توقف نجيب محفوظ عن الكتابة لمدة 7 سنوات بعد كتابته الثلاثية، وتصور أنه وضع فيها كل ما عنده، وانتقل إلى كتابة السيناريو السينمائى؛ فجأة عاودته النزعة الأدبية وألحت عليه فعاد عام 1959 برواية «أولاد حارتنا».. الشيء نفسه حدث معى بعد رحيل الرئيس السادات وانتهاء مرحلة التناحر التى كانت موجودة فى عهده بين المسلمين والمسيحيين وبين اليسار واليمين، وبين الحكومة والمثقفين، وبين مصر والعرب، وأحداث الزاوية الحمراء، فكنا نعيش في مرحلة صراعات على جميع المستويات، وبعد هدوء الأحوال عقب وفاة السادات وجدت النزعة الأدبية تنادينى مرة أخرى، وعدت إلى الكتابة، حيث أصدرت مجموعة قصصية عام 1984، ثم المسرحيات التى عرضت فى الثمانينيات والتسعينيات والتى بدأت بمسرحية «فوت علينا بكرة» عام 1984 وأخرجها الراحل سعد أردش، وأشادوا بها وقتها قائلين: إنها فتح جديد فى المسرح لأنها لجأت لأسلوب مسرح العبث، وفي مسرحية «الجنزير» التى تنبأت بصعود الإرهاب، وكل هذه الأحداث ستكون ضمن أحداث الجزء الثانى من المذكرات لأن الجزء الأول ينتهى برحيل السادات عام 1981.

- ذكرت فى مذكراتك أن السادات كان يعمل فى شركة مملوكة لوالدك..

السادات كان له نشاط وطنى، وكان مطاردا من الإنجليز واضطر إلى التخفى هربا منهم، فعمل سائقا على عربة لورى كانت تنقل المنجنيز من منجم يملكه والدى فى البحر الأحمر، ويتم نقله إلى السويس تمهيدا لتصديره، وهذه الواقعة وثقتها بالوثائق والشاهد عليها فى تلك الفترة عبدالوهاب حسنى الصديق الصدوق للسادات، الذى توسط له عند والدى حيث كان محاميا لشركاتنا.

- تم اعتقالك فى عهد السادات رغم أنه عمل لدى والدك ألم يكن هذا كفيلا بأن يشفع لك عنده؟

كانت هذه مرحلة مشرقة ووطنية فى تاريخ الرئيس السادات، لأن الوضع الذى كان يعيشه بسبب نضاله الوطنى ضد الاحتلال الإنجليزى ولا نستطيع أن ننظر إليها إلا بكل احترام وتقدير، لكنى كنت أحدث نفسى بأنه ربما لم يعرفني، وظن أنه مجرد تشابه فى الأسماء، إلى أن روى لى الأستاذ مكرم محمد أحمد أن السادات عقد اجتماعا عام 1981 بعدما سجن عددا كبيرا من السياسيين وعرض على رؤساء التحرير ورؤساء مجالس الإدارات أسماء الصحفيين الذين سيتم فصلهم، قائلا: «اللى عنده اسم عاوز يضاف يقول لى عشان أضيفه»، وعندما ذُكر اسمى كان الأستاذ مكرم رئيس مجلس إدارة دار الهلال فأخبره باستعداده لضمى لدار الهلال وأنه سيتحمل مسئوليتى ويضمننى، فضرب السادات الطاولة بيده قائلا له: «وأنا عارفه وعارف عيلته»، ورفض السادات وفصلت عام 1981، فى ذلك الوقت كنت فى أستراليا لإجراء حوار مع رئيس وزرائها، وأبلغنى بخبر فصلى الذى علمه من السفارة الأسترالية فى القاهرة، ولم أكن أعلم بذلك، وقد اعتذرت عن إجراء الحوار لأننى لن أستطيع نشره بعد أن تم فصلى، وطلبت الإذن بالانصراف لكنه طلب منى الانتظار وأخذ يسألني عن الوضع فى مصر، وهل الإخوان بهذه القوة، ومكثت المدة التى حددها للحوار 45 دقيقة فى الحديث عن أحوال مصر، وكانت هذه هي المرة الوحيدة التى يقوم فيها الضيف بإجراء الحوار معى بدلا من أقوم أنا بإجراء الحوار معه. وفى اليوم التالى حدث موقف مؤثر جدا؛ فقد كان معى مرافق من وزارة الخارجية يصحبنى فى كل مكان فوجدته يبلغنى بإعجاب رئيس الوزراء مالكوم فريزر بى وبتفكيرى، ويشكرنى على الحوار قائلا: إن قوانين منح اللجوء السياسي في أستراليا صارمة جدا، لكن إذا وجدت أنك فى حاجة لطلب اللجوء سيدعم طلبك، وهنا دمعت عيناى لأن حكومة بلدى فصلتنى، ولم أكن أعلم هل هو مجرد فصل أم سيتم القبض علىّ كبقية من قبض عليهم أم لا، فى الوقت الذى ترحب بى حكومة غريبة وتحتضننى من مقابلة واحدة، لكنى رفضت واعتذرت له لأن اللجوء السياسى سيجعلك فى غربة عن بلدك وتعيش بقية حياتك فى منفى اختيارى، ولم يكن أحد يعلم بالطبع أن السادات سيقتل بعدها بأسبوع وستتغير مجريات الأمور.

- ما الذي استفدته من تجربة الاعتقال في حياتك المهنية صحفيا وأدبيا؟

كانت تجربة قاسية بلا شك حيث تكون بعيدا عن أسرتك ومحيط عملك ولا تتمتع بحريتك، لكنها أظهرت لى جانبا آخر، حيث أثرت تجربتي الإنسانية لأنها عرفتنى بقطاعات من المجتمع كان يجب أن أعرفها بصفتي صحفيا، وهذه المعرفة لم تكن لتحدث إلا من خلال معايشتى لهم، فمثلا الطبقات الدنيا قد يقول البعض إن زيارة للعشوائيات يمكن أن تعرفك بها، لكن زيارة هؤلاء الطبقات شيء والمعايشة الكاملة لهم مدة طويلة والتعامل معهم فى جميع جوانب الحياة شيء آخر.. تجربة ثرية ويصعب على أى شخص الحصول عليها، وقد أظهرت لى هذه التجربة كيف أن هذه الطبقات التى ننظر إليها نظرة دونية لديهم من الأخلاق والشهامة ما لا يتوافر فى بعض الأحيان لدى علية القوم أو الحكام، كما حدث معى من قبل السادات الذى كان يعمل عند أبى، وقد سردت فى المذكرات تجربة المجرم المرافق لي فى الحبس والذى أخذ مالي عنوة، وعندما وجد الكلبشات فى يدى وأنني سيتم ترحيلى صرخ للضابط قائلا: هذا الرجل له معى أمانة وأعاد لى ما أخذه.. إنها أخلاق الشعب المصري.


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا