بعد 37 عاما من وفاته «نصف الدنيا» تكشف أسرار الساعات الأخيرة لشاه إيران فى مصر
بعد 37 عاما من وفاته «نصف الدنيا» تكشف  أسرار الساعات الأخيرة لشاه إيران فى مصر
19 أكتوبر 2018

 

قبل 37 عاما وتحديدا فى العاشرة مساء  يوم 26 من يوليو1981 الموافق 15  من رمضان سنة 1400 هجرية، وبداخل مستشفى القوات المسلحة بالمعادى، أصيب أهم مريض فى المستشفى ومصر والعالم بتدهور مفاجئ فى صحته.

فقد انقطع النبض، وتوقف الضغط ، وأصيب بحالة نزيف شديد، الأمر الذى دفع طبيب الإنعاش المرافق طوال 24 ساعة بجوار المريض، إلى إرجاء عملية نقل دم، ليستعيد المريض وعيه، ولكنه لم يكن وعيا بقدر ما هو حلاوة روح للمريض الذى لم يكن سوى شاه إيران محمد رضا بهلوى، الذى استقر فى القاهرة بعدما تهاوى عرشه، وأصبح فى ذمة التاريخ .

استرد الشاه عافيته بشكل غريب جدا فى تمام الساعة 11 ونصف مساء نفس  اليوم، بشكل جعل طبيبه المعالج يصف ما حدث بأنه « معجزة» ولم يكن يعلم أنها صحوة الموت الأخيرة للشاه، الأمر الذى دفع زوجته الإمبراطورة فرح ديبا لإرسال أبنائها إلى الإسكندرية بعيدا عن جو المستشفى القاتم، خاصة أن الشاه نهض من على سريره وسار على قدميه وجلس بحجرة الطعام الملحقة بغرفته بمستشفى المعادى، وتحدث مع زوجته وأخته أشرف .

  وفى تمام الساعة الواحدة من صباح اليوم التالي طلب الطبيب المعالج من الشهبانو فرح ديبا زوجة الشاه، حضور أبنائه من الإسكندرية فورا، لأن الأمور ليست على ما يرام مطلقا، وأن النهاية ستحدث الليلة على أقصى تقدير .

وفى تمام الخامسة من فجر يوم 27 من يوليو 1981، كان الشاه ممددا على سريره، وعلى يمينه ابنته الكبرى «فرح ناز»، جاثية على ركبتيها ممسكة بيده تقبلها، وتردد بالفارسية « بابا..بابا»، أما على يساره فكان طبيبه يتابع ضغط الدم الوريدى، وسرعة ضخ الدم على شاشة جهاز القلب، وفجأة تنفس الشاه مرتين بسرعة ثم أخذ شهقة طويلة، ليتوقف تنفسه مرة واحدة وتسقط يده بجواره وذلك فى تمام الساعة التاسعة و55 دقيقة  من صباح يوم 27 من يوليو 1981، لتهمس شقيقته الأميرة أشرف  فى أذن زوجته الإمبراطورة أغمضى  عينيه، لقد انتهى الأمر .

ثم مدت الإمبراطورة يدها أسفل وسادة الشاه لتسحب كيسا من تراب إيران كان الشاه قد حمله معه وهو يغادر عرشه، وظل يحتفظ به أسفل رأسه حتى رحيله، ثم خلعت الطبيبة المرافقة له فى الحجرة خاتم الزواج من يد الشاه لتعطيه لزوجته الإمبراطورة التى وضعته فى نفس اللحظة فى أصبع يدها من وقتها وحتى كتابة هذه السطور .

طلبت إدارة المستشفى من الجميع مغادرة الغرفة حيث يرقد جثمان الشاه إلا أن زوجته حرصت على أن تضع قبلة أخيرة على جبهته .

 

الشاه فى القاهرة

 كان الشاه قد وصل إلى القاهرة يوم 24 من مارس 1981، بعد رحلة عذاب دامت 14 شهرا ، كان خلالها منبوذا وغير مرغوب فيه من الكثير من دول العالم، وفى مقدمتها الولايات المتحدة، بعد أن خرج من إيران وسقط عرشه وتهاوى نظامه على يد الخمينى، وأعلنت الجمهورية وسقطت الملكية التى دامت تحكم إيران طوال نصف قرن .

هبط الشاه من الطائرة فى مطار القاهرة، بصعوبة شديدة فقد كان نحيفا للغاية وفقد الكثير من وزنه الذى كان عليه قبل 14 شهرا حينما هبط فى القاهرة قادما لآخر مرة من إيران، كانت ملابسه أكبر من جسده بدرجتين على الأقل، وكان وجهه شاحبا، ووقف الرئيس السادات على أرض المطار فى انتظاره على السجادة الحمراء، وما إن التقى الشاه السادات حتى اندفع يحتضنه  بدفء، حيث اصطحب السادات ضيفه إلى قصر القبة الذى خصصه له السادات لإقامته طوال وجوده فى القاهرة، وقبل أن ينتقل للإقامة فى جناح خاص بمستشفى القوات المسلحة بالمعادى، تمهيدا لإجراء جراحة إزالة الطحال التى تأخرت حوالى عام بسبب المتاعب السياسية التى يواجها الشاه فى كل دولة يصل إليها، حيث حضر أطفال الشاه إلى القاهرة قادمين من الولايات المتحدة حيث يدرسون هناك للإقامة مع الأسرة بقصر القبة، كما خصص السادات أحد حراسه الشخصيين المميزين ليكون مسؤولا عن حراسة الشاه طوال وجوده فى مصر وهو الرائد أبو الوفا رشوان، الذى فيما بعد أصبح من حرس الرئيس الأسبق مبارك ثم سكرتيرا شخصيا لمبارك، حتى أشهر قليلة من ثورة 11 يناير 2011 .

 

جرح البنكرياس

 انتقل الشاه إلى مستشفى القوات المسلحة بالمعادى تمهيدا لجراحة إزالة الطحال الذى كان سبب كل المتاعب والآلام التى يعانيها، حيث كانت الشهبانو تقطع يوميا المسافة ما بين مستشفى المعادى العسكري حيث يرقد زوجها، وقصر القبة يوميا صباحا ومساء بصحبة أبو الوفا رشوان المسؤول عن أمنها وسلامتها، وعلى الفور تشكل فريق طبى تحت إشراف د. طه عبد العزيز الطبيب الخاص للسادات، الذى قرر إجراء  الجراحة يوم الجمعة 28 من مارس، بعد حضور الطبيب الأمريكى المعالج للشاه البروفيسور  دى بيكى .

خلف جدار من الزجاج يكشف غرفة العمليات وقفت الشهبانو فرح ديبا والأميرة أشرف أخت الشاه، والرائد أبو الوفا رشوان مسئول الحرس الخاص يشاهدون عملية إزالة طحال الشاه لحظة بلحظة بناء على طلب وإصرار من الشهبانو والأميرة أشرف، فقد كان الطحال الذى تم استئصاله ضخما حيث وصل وزنه إلى أكثر من كيلو و900 جرام، وخلال العملية جرح طرف البنكرياس من الطبيب المعالج، مما دعا فريق العمليات إلى انتظار أن يجف، بدلا من الخياطة، وما إن انتهت الجراحة بسلام حتى صفق جميع من فى غرفة العمليات، على هذا الإنجاز الطبى المذهل.

 

صحوة الموت الأخيرة

بعد يومين من الجراحة، كانت حالة الشاه طبيعية، وبدأ يستعيد عافيته، وغادر المستشفى إلى قصر القبة، حيث كان يتحسن ببطء، ويسير فى ممرات القصر وحدائقه، وانتقل أبناء الشاه للدراسة بالقاهرة فى الكلية الأمريكية، إلا أنه فى اليومين الثالث والرابع، بدأ يشعر بألم أسفل الصدر والكتف، وعلى الفور طلب الفريق المعالج نتيجة تحاليل أنسجة الطحال، فكانت المفاجأة، وجود عقد أورام وخلايا سرطانية، كما أن الكبد هو الآخر مصاب بالسرطان، وكذلك البنكرياس.

وسرعان ما بدأ الشاه يفقد قوته، وارتفعت درجة حرارته أكثر وأكثر، وتم إجراء أكثر من عملية نقل دم له، وعادت الحمى تطارده، واستمرت المضادات الحيوية تحاول معه، لدرجة أنه لم يعد هناك وريد سليم فى يديه، وتوقف عن الطعام بعدما فقد شهيته، فقد كان غير قادر على ابتلاع أى شيء، واختلف الأطباء حول تشخيص الحالة، فقد اعتبرها البعض التهابا رئويا، فى حين شخصها آخرون بأنها إصابة بالسالمونيلا، ورأى ثالث أنه « خراج»، إلا أنهم اتفقوا على أن يعود الشاه للمستشفى مرة أخرى، لإجراء جراحة جديدة بحضور أطباء من فرنسا والولايات المتحدة مع الأطباء المصريين، حيث تمت العملية بنجاح وتم سحب لتر ونصف اللتر من الصديد وبقايا الأنسجة المتحللة من أسفل الحجاب الحاجز للشاه، وابتهج الجميع سعادة بما تم، والتخلص من المتاعب الصحية للشاه.

نجحت العملية وسرعان ما أصبح الشاه قادرا على الجلوس والوقوف، إلا أنه كان أكثر نحولا، وشحوبا، ويتنفس بصعوبة وهو نائم، حتى يوم 26 من يوليو حينما أصبح الشاه معافى بشكل مفاجئ، قبل أن يسقط فى غيبوبة لم يفق منها حتى النهاية.

 

الجثمان فى قصر عابدين

 صباح يوم 29 من يوليو، سجى جثمان الشاه فى قصر عابدين، حيث عزف السلام الإمبراطورى، للمرة الأولى منذ سقوط  عرش الشاه قبل 14 شهرا، ووسط حر يوليو الخانق غادر موكب جنازة الشاه القصر سيرا على الأقدام مسافة 3 كيلو مترات إلى مسجد الرفاعى مارا بشارع محمد على، حيث دفن الشاه بجوار والده بناء على وصيته، ومع إصرار الشاهبانو على أن تسير خلف نعش زوجها طلب السادات تنفيذ  طلبها، وبحضور الرئيس الأمريكى  الأسبق نيكسون، وأخوات الشاه ( غلام رضا، وأحمد رضا، وعبد الرضا )، وملوك العالم، كما حضر مندوب عن الملك الحسن ملك المغرب حاملا معه قطعة من كسوة الكعبة لوضعها على ضريح الشاه.

 

على الطريقة الشيعية

كلف الرئيس السادات وزير الأوقاف وقتها الدكتور زكريا البرى إحضار  القيادى الشيعى «أمالى طالب الرفاعى» للصلاة على الشاه، بحسب المذهب الشيعى، حيث توجه الرفاعى من منزله بالقاهرة بصحبة رجال رئاسة الجمهورية إلى مستشفى المعادى حيث يرقد جثمان الشاه، وأعطاهم مقاس الكفن لتجهيزه، وأشرف بنفسه على مراسم التغسيل والتكفين، رافضا وضع قطن بداخل جسد الشاه لأنه لم يمت مبطونا، ثم توجه الشيخ فى سيارة جيب عسكرية إلى مسجد الرفاعى، حيث سيصلى على الشاه ثم يدفن، ولأن الوقت صيام والشيخ «أمالى طالب الرفاعى» لم يكن قد أخذ كفايته من النوم فقد استند على كرسيه وغفا بشكل مؤقت حتى فوجئ بالرئيس السادات يسأل :أين الإمام ؟

فأشاروا إليه فقال السادات :

- تفضل صل بنا .

وبدأ الإمام  الصلاة على الميت بـ  5 تكبيرات بحسب المذهب الشيعى، وفى الدعاء الخامس قال الشيخ أمالي بشكل عفوى « اللهم إن هذا المسجى بين أيدينا عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، خرج من ملكه وسلطانه، فأصبح فقيرا إليك، أسيرا بين يديك،...إلخ، ثم ختم بقراءة الفاتحة ، ليتحرك مع الجثمان نزولا فى قبره، حيث منع الإعلام من النزول معه، ليقوم بتلقين الميت الشهادة بحسب الطريقة المعروفة .

لماذا لم يهبط السادات فى قبر الشاه ؟

كان عز أبو غنيمة مراسل وكالة  أنباء الشرق الأوسط برئاسة الجمهورية المراسل الصحفى الوحيد الذى غطى الجنازة، حيث طلب الرئيس السادات أن تكون وكالة أنباء الشرق الأوسط فقط هى من تعطى للعالم صور الجنازة.

ولذلك سمح فقط لمصور الرئاسة ومراسل التليفزيون ومندوب وكالة أنباء الشرق الأوسط بتغطية مراسم دفن الشاه، حيث يتذكر عز أبو غنيمة ما حدث قائلا لنصف الدنيا :

« ... أنا حضرت كصحفى .. وكنت أنا والتليفزيون المصرى  فقط من دخلنا مسجد الرفاعى لتغطية مراسم دفنه، والأميرة أشرف شقيقة الشاه  كانت واقفة معنا ووقعت على الأرض وأغمى عليها، أتذكر أن مصور التليفزيون وقتها كان اسمه الدمرداش .. وأثناء تصويره وهما بيشيلوا الجثمان من الصندوق وبينزلوه غرفة الدفن. شاهده السادات  فنظر إليه بحده  وقال له «وقف تصوير يا غبى».

ويضيف عز أبو غنيمة فى شهادته قائلا : «... كان هناك صحفيون ومراسلون ومصورون مصريون وأجانب أكثر من 50 أو60 .. ولم يكن ممكنا دخول هذا العدد كله المسجد، والرئاسة كانت تعمل حاجة اسمها  بول .. يعنى صحفى واحد هو من يدخل ويوزع الشغل على بقية الزملاء .. وأنا كوكالة عارفين إن كل الصحف المصرية والإذاعة والتليفزيون والوكالات الأجنبية تأخذ شغلنا .. فكانوا يكتفون بى فقط .

ويضيف أبو غنيمة : حتى مقابلات السادات أحيانا التي كانت تتم داخل مقر سكنه بالجيزة.  كنت أنا والتليفزيون وفاروق إبراهيم المصور فقط من يدخل لأن الصالون لا يسع العدد الكبير من الصحفيين والمراسلين، وأتذكر أنه بعد ما انتهت مراسم دفن الشاه وخرجنا ..التف حولي كل الصحفيين والمراسلين الأجانب لأطلعهم على الخبر.. وسألوني عن أشياء لم تخطر على بالى ولم ألتفت إليها، فمثلا سألوني لماذا يلفون الجثمان بالكتان؟ وما نوع العطر الذي نثروه عليه؟ ولماذا لم ينزل السادات إلى المقبرة؟ ومن هم جدوده المدفونون فيها؟ فهم يهتمون بمثل هذه التفاصيل ..، وأنا كوكالة أكتب الخبر الروتينى المعتاد.

 

مثواه الأخير

فى مسجد الرفاعى أنزل الجثمان إلى قبو خاص تحت الأرض، وصحبه شقيقه «على رضا»، ثم نجله على رضا أيضا، دون استئذان من أحد، رغم أن ذلك لم يكن مقررا، حيث كان مصرا على أن يرى أين يرقد والده فى مثواه الأخير .

وقبل عدة شهور من رحيله سألته أخته الأميرة أشرف : بمن تثق فعلا؟

- فأجابها بأسى بالغ : فى كلبى.

ويشاء القدر أن يموت كلب الشاه قبل وفاته  بـ20 يوما ويدفن فى حديقة قصر القبة .

وسئلت الإمبراطورة فرح ديبا خلال زيارتها الأخيرة للقاهرة، ما آخر كلمات الشاه لك فى مستشفى المعادى قبل رحيله؟

قالت : قال لى المثل الفارسى الشهير « لا تتركى أحدا يمشى على رجلك» أى لا تدعى أحدا يفرض عليك شيئا.


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا