أوريلى وألان وقعا فى عشق مصر الصعيدى الفرنساوى ينقل موسيقى الجنوب إلى المهرجانات الدولية
أوريلى وألان وقعا فى عشق مصر  الصعيدى الفرنساوى  ينقل موسيقى الجنوب إلى المهرجانات الدولية
26 فبراير 2018

 

 هي عاشقة للصوفية بموسيقاها وفنونها ، المخرجة الفرنسية الشابة أوريلي شاولور وصديقها المخرج الفرنسي  ألان فيبير نقلا الصعيد وفنونه إلى العالم، وقادهما عشقهما لصعيد مصر إلى الإقامة الدائمة هناك لتوثيق تراث أهل الجنوب بما فيه من حكايات وقصص،وأصبح اسمهماعلامة مسجلة في عالم المهرجانات الموسيقية التراثية ،فالمخرج الفرنسي ألان فيبير  مشهور بالتنقيب عن الأنواع الموسيقية الغريبة والقديمة من كل دول العالم.. ومدير عدد من المهرجانات الموسيقية حول العالم، وهوصاحب قصة عشق غريبة للربابة والصعيد المصري. التقيتهما مصادفةً بالمغرب لأتعرف إلى المخرجة أوريلي شاولور. وكان حواري معهما عن الماضي والحاضر، ولكنه يحمل الكثير من الرسائل العميقة التي تحتاج إلى قراءة متأنية من وجهة نظري للقائمين على الثقافة والشباب المصري الناقم على أوضاع بلاد صاحبة حضارة وتاريخ لا نقدر قيمته وعظمته.. هذه السطور القليلة هي رؤية فرنسية وصديقها عشقا صعيد مصر وحملاها إلى العالم كله.

المخرجة الفرنسية الشابة أوريلي شاولور ذهبت إلى استكشاف صعيد مصر وإخراج فيلم عن التراث الشعبي المصري في الإيقاعات والعزف باسم thechildrenofthenileلذا بدأت بسؤالها عن زيارتها الأولى للصعيد كيف كانت؟

البداية كانت أنني أبحث عن الموسيقى الصوفية وأصولها لشدة تعلقي شخصيا بها، وعندما سألت صديقي ألان فيبير رشح لي مدينة الأقصر للبدء من هناك، وبالفعل ذهبت للبحث عن أصول الموسيقى الصوفية، وهناك استضافتني عائلة الحاج محمد من أشهر عازفي الربابة بالصعيد في عام 2012 وكانت معي الكاميرا ومستعدة لتصوير فيلم عن الصوفية، وبدأت التجول في شوارع القرنة القديمة وأبو الحجاج وبدأت تصوير كل ما أجد فصورت أطفالاً يرقصون ونساءً في الأفراح وصورت تقاليد الأفراح في الأقصر، وقمت بإجراء مونتاج لها وتحويلها إلى نحو 15 دقيقة فيلمية وشاهدها ألان وطلب مني تصوير فيلم أطول لعرضه في مهرجان الموسيقى التراثية في فرنسا، ثم شاهده عدد من الفنانين في الهند وطلبوا مني تصوير المزيد عن الفن التراثي المصري، فعدت إلى الأقصر وصورت فيلما عن صناعة الموسيقى الشعبية المصرية من خلال عائلة الحاج محمد لأن لديه عدة زوجات و26 ابنا و55 حفيدا ولهم قصص موسيقية وإنسانية كثيرة.

-وكيف كان رد فعل الجمهور من مختلف الجنسيات عندما يشاهدون هذا الفيلم؟

الجمهور من كل الجنسيات ينبهر بالقصص والحكايات والأطفال ورقص السيدات في الأقصر والشيشة وطريقة شربها، ومؤخرا كنا في فلسطين ونظمنا مهرجانا عن الموسيقى التراثية في منطقة الشام، وكان العرض الرئيسي بالمهرجان هو عرض الربابة المصرية، وقمنا بعمل دعاية كبيرة للمهرجان وحقق النجاح بسبب رغبة الناس في رؤية هذا العرض، ولكن للأسف لأسباب سياسية رفضت وزارة الثقافة المصرية منح الفرقة والعازفين تصريحا بالسفر إلى فلسطين. وعندما كنت في فرنسا عرضنا الفيلم في عدد من المدارس هناك، وانبهر الطلبة وكلهم صاروا يريدون السفر إلى مصر لرؤية هذه الحياة البسيطة الطبيعية، خاصةً أن أهل الأقصر ومصر عامةً يرحبون بشدة بضيوفهم.

 

موسيقى تراثية

أنتقل بالحوار إلى المخرج الفرنسي وأسأله:

مسيو ألان، حكايتك مع الصعيد بدأت قبل وقت طويل وعازف الربابة الريس متقال كان شاهدا عليها.. أريد أن أسترجع هذه الذكريات معك..

- (يرد ضاحكاً) أولا أنا أفتقد صعيد مصر.. ثانيا هذه الحكاية بالفعل قديمة ولكنها مستمرة فقد بدأت في أواخر سبعينيات القرن الماضي في شبابي، ووقتها كنت أبحث عن كل جديد في العالم أو أبحث عن نفسي بعيدا عن الرأسمالية في أوروبا، فسافرت كمعظم الشباب الفرنسي في ذلك الوقت إلى الهند باعتبارها من الحضارات القديمة، وهناك قابلت الفنان والوزير فاروق حسني مصادفةً، وكان لا يزال يعمل مستشارا ثقافيا بالسفارة المصرية في الهند، وعندما علم أني أبحث عن الموسيقى التراثية والعمل على اكتشافها رشح لي عازف الربابة المصري الشهير الريس متقال، وقال لي لا بد من أن تقابله وتتعرف إليه لأنه كنز ومن هنا بدأت الحكاية.

-ولكن كيف تطور الأمر إلى السفر لمصر والإقامة بالصعيد؟

في ذلك التوقيت كان الريس متقال مشهورا جدا وصاحب صيت كبير في مصر وكانت لديه زوجتان إحداهما في منطقة ساقية مكي والأخرى في ميدان الجيزة، وكان قد ترك الصعيد بسبب شهرته وفنه وجولاته وأنا لم أكن قد قابلته بعد، ولكن عندما عرفت من فاروق حسني قصة الموسيقى التراثية المصرية قررت التواصل مع قطاع الثقافة الجماهيرية بوزارة الثقافة برئاسة سعد الدين وهبة في ذلك الوقت، ورشح لي ابن عم الريس متقال وكان اسمه شمندى توفيق متقال، وكان متخصصا في إلقاء السيرة الهلالية، وبالفعل نظمت له جولة في فرنسا بصبحة مغنية مصرية اسمها فاطمة.

-ألم يكن الريس متقال جزءا من هذه الجولة؟

بالطبع كنت أريد الريس متقال وفي هذا الوقت كان يعمل في طهران في ناد ليلي، وعندما ألححت علي سعد الدين وهبة أمر بإرسال مجموعة أحضرت متقال بالقوة من طهران إلى باريس، وبالفعل قابلته في مطار أورلي وعرفته من جلابيته الصعيدية المميزة وضحكته الحكيمة، وعرفت أنني أمام ملك الربابة في مصر، وشارك في الجولة وكانت ناجحة جدا وأبهرت العروض المصرية الجمهور الفرنسي في كل المدن.

-وماذا عن تجربة السفر إلى الأقصر؟

بعد ذلك تلقيت دعوة رسمية من سعد الدين وهبة لزيارة مصر، وهناك التقيت شمندي متقال قناوي وشمندي توفيق ومحمد توفيق والثلاثة من عائلة متقال المؤسسة والمحافظة لهذا النوع من الموسيقي في الأقصر بالقرنة القديمة بقرية اسمها «أبو الجود»، وخلال فترة زيارتي إلى مصر التي كانت طويلة نسبيا زرت معظم مدن وقرى الصعيد والدلتا لاكتشاف الموسيقى والتراث بها، كما زرت الوادي الجديد وواحة سيوة، ووقتها لم يكن هناك طريق للواحة واضطررت لقطع الطريق إليها عبر قافلة في الصحراء، ثم مكثت في «قرية أبو الجود» ثلاثة أشهر للاكتشاف.

-وماذا تعلمت في هذه الفترة؟

الأقصر وقتها، والقرنة خصيصا، كانتا عبارة عن مجموعة من المنازل الصغيرة التقليدية وأيضا مجموعة من الغجر يعيشون بشكل تقليدي برفقة حيواناتهم. ووقتها تعرفت إلى تراث الغجر الشهير وعائلات مازن والغوازي والبهلوانات وهذا كله بالطبع إلى جانب تعلم العزف على الربابة. وأتذكر أنهم وقتها أطلقوا علي لقب «الصعيدي الفرنساوي» لأني تعلمت الصعيدية بسرعة وأصبحت أتواصل بها مع أهل القرية، وكانوا يأخذون مني أجرة «نص راجل» في دروس الربابة إكراما لي، وطوال هذه الفترة كنت أقيم في منزل محمد مراد من عائلة متقال وتعلمت أكل الملوخية وتدخين الشيشة وشرب الشاي المغلي.

-وهل كان من السهل اصطحاب هؤلاء الفنانين في جولات حول العالم؟

وقتها قررت تأسيس فرقة للربابة المصرية وأطلقت عليها اسما فرنسيا هو LesMusiciensduNilأي «موسيقيو النيل» وضممت لها عازفي مزمار بلدي وربابة وراقصي تنورة، وبالفعل كان هذا هو الاسم الذي تحركت به الفرقة في كل دول العالم، وما زالت حتى الآن تحقق نجاحات مبهرة بكل العروض التي تقدمها. وللعلم هم معروفون ومطلوبون على مستوى العالم، حتى وإن لم يكونوا مشهورين في مصر، وعزفوا في كبريات  دور العرض الأوروبية والعالمية كما ظهروا في أكثر من فيلم فرنسي.

 

-ولكنك تخصصت في الربابة فما السر وراء اختيارك هذه الآلة تحديدا؟

الربابة آلة مذهلة بدايةً من شكلها وطريقة صناعتها، كما أنني أراها الآلة المثلى للحديث عن التراث المصري مثل السيرة الهلالية، وهي من الآلات القليلة التي تأخذك الى العالم العربي الموسيقي الأصيل دون أي تدخلات أوروبية، وصوتها نادر من الممكن أن تجده في الموسيقى الأندلسية بالمغرب وآلة الكامنتشا الإيرانية وبعض آلات عزف موسيقى المقام العراقي، وبالتالي فهي قديمة ونقية وساحرة بالنسبة لي ولكل من يسمعها.

-تتحدث عن الربابة باعتبارها كنزا ولكن الواقع يقول إن هذا الفن للأسف مهدد بالانقراض؟

بالطبع وهذا شيء مؤسف للغاية، أنا الآن مدير لأكثر من مهرجان دولي حول العالم ونبحث في كل مرة عن عازفين جدد لنقدمهم للجمهور في كل مكان، لأن هذه الآلة لها سحر غريب ويجب على المصريين أن يحافظوا عليها ويفتخروا بها. الربابة الآن أصبحت مرتبطة أكثر بالإنشاد الصوفي، وهو شيء جيد ولكن يجب ألا يتحول إلى عزف سياحي لأنه مرتبط بالأجانب، فنجد «ريتمات» وإيقاعات غربية! يجب أن تحتفظ الربابة بهويتها المصرية فهذا ما يميزها، ويجب ألا تتحول إلى صناعة، إضافة الي التنورة وهي أيضا من الفنون الجميلة المهددة بالانقراض أو بفقد هويتها المصرية الشعبية بسبب ارتباطها بالسياحة وهذه مشكلة لا بد من حلها. وتاريخ شعب وتراثه جزء أصيل من الشعب المصري .


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا