الروائى إبراهيم عبد المجيد: زوجات الأدباء مبشّرات بالجنة
الروائى إبراهيم عبد المجيد: زوجات الأدباء مبشّرات بالجنة
10 مارس 2017

رواياته سرد لحكايات أمه وجاراتها وقصص الحب الخفي التي كان ينصت إليها ويخزنها من بوح أخته وصديقاتها. لا أحد ينام في قصص وروايات الروائي الكبير إبراهيم عبدالمجيد، ووجعه بالمبتليات بالآلام بفعل الرجال  يؤرقه، لذلك حاول إنصافهن، وكتب الكثير عنهن. ثمة سر يكشفه إبراهيم عبدالمجيد وهو أنه يعشق عشرات الجميلات بعلم وموافقة زوجته، و«هى» محور حياته وأعماله.

ولد إبراهيم عبدالمجيد وترعرع بالإسكندرية التي ما برحت ملهمته في أهم أعماله الأدبية، ومنذ طفولته المبكرة استهوته الحكايات التي كان يرويها له والده عن أحداث الحرب العالمية الثانية والتي تجلت في روايته بعد ذلك (لا أحد ينام في الإسكندرية) ورغم رحيله عن الإسكندرية إلى القاهرة فإنها ظلت بالنسبة له ملء القلب والعين والوجدان، وفي القاهرة تقلد مناصب رفيعة وعديدة بوزارة الثقافة وعبر مسيرته الحافلة بالإبداع حصل على أعلى الأوسمة والجوائز الأدبية مصريا وعربيا وأبرزها جائزة الشيخ زايد للكتاب وجائزة الدولة للتفوق وجائزة الدولة التقديرية وجائزة نجيب محفوظ وغيرها وترجمت أعماله الأدبية لعدة لغات أجنبية، وقد أصدر نحو عشرين رواية وقصة منها (ليلة العشق والدم، البلدة الأخرى، الإسكندرية في غيمة وإغلاق النوافذ، الشجر والعصافير ... إلخ) ويؤمن الأديب الكبير إبراهيم عبدالمجيد بدور المرأة في رقي وتقدم المجتمع وفي نجاح وتفوق الرجل وقد تجلى هذا الدور في مسيرة حياته وأعماله الأدبية والتي يدور هنا حولها هذا الحوار.

- في أحد لقاءاتك الصحفية أشرت إلى أنك حينما كنت صغيرا كنت مغرما بسماع الحكايات والقصص من والدتك ووالدك عن الحرب العالمية الثانية وأن رواية (لا أحد ينام في الإسكندرية) كانت ثمرة لسماعك هذه القصص لو تحدثنا عن دور والدتك في تشكيل وعيك وحسك الأدبي؟

أمي رحمها الله كان دورها هو الأكبر في تربيتي. بمعنى أنها هي التي كانت تتابع حياتي المدرسية وأبي كان يوفر لنا كل شىء يقدر عليه بينما كانت أمي هي التي تذهب بي إلى الحضانة التي كانت تسمي «الروضة» على أيامنا، ثم هي التي صارت تنقلني من مدرسة إلى أخرى حتى استقر بي الأمر في مدرسة القباري الابتدائية، ووالداي كانا لا يتدخلان فيما أفعله وكنت ألعب كثيرا وأصطاد السمك والعصافير ولايبخلان علي بمصروف زائد للذهاب إلى السينما، وحين صرت أقرأ القصص كانا معا يقولان: «المهم تنجح آخر السنة» ولذلك اندفعت في القراءة بشكل جعلني أحيانا لا أخرج من البيت وكان الاثنان على ثقة منذ صباي أني أعرف طريقي في الحياة.

نساء أخريات

-هل هناك ثمة شخصيات نسائية أخرى لعبت دورا ملهما في مسيرتك الأدبية؟

طبعا الكثير من النساء، ففي طفولتي كنت أجلس كثيرا مع أمي بين جيرانها من النساء، وكذلك أختي الأكبر مني مع صديقاتها من الحي وكنت أسمع قصصا أكثرها مؤلم للنساء مع أزواجهن أو للبنات مع أحبائهن، وكن تتصورن أني صغير لا أدرك بينما حفرت القصص في روحي إحساسا مبكرا بالظلم الكبير الواقع على المرأة في الحياة، وتجد ذلك واضحا تقريبا في كل رواياتي وقد جسدت هذه الجلسات مثلا في رواية مثل «طيور العنبر» كما أن قصص الحب حولنا كان لايمكن إخفاؤها فسمعت ورأيت كثيرا منها تسللت إلى رواياتي. أيضا أصحاب تلك الجلسات وتلك القصص لم يكن يدركن طبعا أنها ستترك علامة في روحي أو أني سأكون يوما كاتبا للقصص ولذلك أُلقيت أمامي عشرات من القصص الحلوة والصعبة بعد ذلك صارت قصص أصدقائي وقصصي أنا مع البنات.

- هل كل النساء مؤهلات باعتقادك للعب دور في نجاح الرجل؟

النساء مثل الرجال والبشر عموما يختلفون فالمرأة حقا إذا كانت ظهيرا للرجل يتفوق لكنها أيضا إذا كانت عبئا يمكن أن تهدمه. تماما كالرجل في علاقته بالمرأة فكل عظيم خلفه امرأة حقا وأيضا فتش عن المرأة في كل جريمة، فالأمر إذن نسبي، لكن مؤكد أن عطاء المرأة أكثر تأثيرا وإنسانية من عطاء الرجل، والمرأة رغم ما يفعله الرجال بها من ظلم هي الأرض الحقيقية لكل رجل وهي البيت، وبيت بلا امرأة صالحة يكون مثل بيت بلا سقف تسقط فيه كل المشكلات ابتداء من الخطأ حتى الخطيئة، وتأتيه كل رياح القلق. ومن زمان أدرك الشعراء أن المرأة هي الأرض والوطن. وبالمناسبة قد لاحظت أنا منذ زلزال عام 1992 أن المرأة أسبق في الشعور به مهما كان ضعيفا كأنها بالفعل متصلة بالأرض أكثر من الرجال.

 

زوجة الكاتب

- هل المرأة التي يمكن أن تلعب دورا في تفوق المبدع والأديب مختلفة عن أي امرأة أخرى؟

حين تؤمن المرأة بقيمة مايفعله الرجل يستطيع أن يفعل المستحيل، والأدباء والمبدعون عادة خارج حدود المنطق ولهم عالم مواز لعالمهم هو ما يكتبونه، فيعيشون فيه أكثر مما يعيشه من حولهم، فتخيل صبر المرأة على ذلك، وهذه نعمة إذا توافرت للكاتب أبدع وتقدم في إبداعه، وكذلك تخيل أنت امرأة تصبر على عشق الكاتب لعشرات النساء اللاتي يكتب عنهن وتدرك أنهن جميعا من خيال يصل الأمر به أن يكون حقيقة أثناء الكتابة فينادي الكاتب زوجته أحيانا باسم شخصية نسائية يكتب عنها. أو تضعها المصادفة أمامه وهو يكتب وترى حزنه حقيقيا على قصة فراق. زوجات المبدعين لهن الجنة والله.

 

المرأة الوردة

- في بعض رواياتك تحدثت عن قصة حب بين سامر رجل الأعمال وزوجته ريم عازفة البيانو وقلت عن ظروف كتابتك لرواية (أداجيو): كانت فكرة أو حالة رواية شرعت في كتابتها وعندما بدأت الكتابة لم أتمالك نفسي ووجدت دموعي تسبقني فتوقفت لأنني لم أستطع تحمل نقل حالة الفراق التي اقترنت بحالة الحب في (أداجيو) إلى أي مدى انعكست علاقتك بالمرأة في عالمك الروائي والقصصي؟

في الحياة رأيت وسمعت قصص قهر كثيرة للنساء تركت في روحي مكانا كبيرا للتعاطف معهن، ومن بين الروايات العالمية كانت قصص (أنا كارنينا ومدام بوفاري) وشخصية عائشة في ثلاثية نجيب محفوظ ممن أثرن في موقفي كثيرا من المرأة. النساء المُبتَليات بالآلام بفعل الرجال أو القدر كما في حالة عائشة، لكني أيضا أدركت مبكرا أن المرأة مثل حلم بعيد لا يستطيع أحد الوصول إليه بسهولة وقد لا يصل فتكون القصة. لقد أدركت ذلك من الملاحم والأساطير التي جرت وقائعها كلها بسبب امرأة يحبها أحد أبطال الملحمة أو الأسطورة فتحدث الحروب من أجلها كما في الإلياذة مثلا أوالأوديسة. فجمال المرأة يتجاوز المكان والزمان لذلك في رويات مثل «ليلة العشق والدم» تجد البطلة «وردة» لا يصل إليها أحد وتقوم من أجلها المعارك بين الشخوص ولايصلون إليها الأمر نفسه في  رواية «المسافات»  فسعاد رمز للجمال الكوني تقريبا ولايصل إليها أحد أيضا ويضيع الرجال في الطريق إليها، وبالمناسبة هذه شخصيات من الحياة أصلا لكن الفن جعلها في مكان أعلى من الواقع ففي رواية «اداجيو» قصة فراق يكاد ينتهي بها العالم بموت الحبيبة ولعله انتهى بالنسبة للمحب «سامر» فلا نعرف ماذا جرى بعد انتهاء الرواية! في «لا أحد ينام في الإسكندرية» و«طيور العنبر» و«الإسكندرية في غيمة» أي في ثلاثية الإسكندرية كلها فيها قصص الحب أسمي وأعظم مما حولها، رغم كل عراقيل الحب ورغم كل نهايات الفراق، وكثير من الشخصيات مرت في حياتي أو حولي لكن الفن يضعها في برزخ بين السماء والأرض. مثل الحب نفسه. والأمر نفسه في رواية «هنا القاهرة» التي كانت النساء فيها أو البنات ممن كانت لي بهن أو معهن تجربة ما كبيرة أو صغيرة، حتى أنني صرت لشهور أتوقع أن ألتقي واحدة منهن في الطريق ناسيا مرور أربعين سنة، فالروايات والفن عموما يحيي ما مضي ويتحول السراب إلى حقيقة وكثيرا ماتثير شجن الكاتب أوالفنان ولاينقذه منها إلا عمل آخر يكتبه، حتى كانت القصص مستوحاة من الحياة، فأثناء الكتابة تكون كأنها حياة الكاتب المسكين نفسه وعالمه الوحيد.

دور الرجل

- إلى أي مدى يمكن أن يكون للرجل دور في قيام المرأة بدور فعال في تفوقه ونجاحه؟

يكون للرجل دور عظيم في حياة المرأة إذا آمن بالمساواة بين الرجال والنساء، ويمكن أن يحدث العكس طبعا إذا أحب الرجل امرأة وعاد بالخذلان، وهذا يحدث طبعا في الحياة وينطبق على الاثنين معا، وكثيرا ما ضاع رجال بسبب ذلك وكثيرا ماضاعت نساء بسبب ذلك أيضا لكن المجتمع لايعطي المرأة فرصة البوح مثل الرجل، لذلك نعرف قصص الرجال المغدور بهم أكثر مما نعرف قصص النساء المغدور بهن.

- متى يشعر الأديب بافتقاد دور المرأة في حياته وعالمه الإبداعي والأدبي وإلى أي مدى تتأثر تجريته الإبداعية بهذا الفقد؟

إذا انتهى الحب والمحبون من حوله ومؤكد أن الفقد يكون له تأثير سيئ على الأديب لكن الكتابة عن الفقد تفتح باب الأمل دائما.


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا