هبة مميش: تعلمت أصول الطبخ من زوجى
هبة مميش: تعلمت أصول الطبخ من زوجى
6 مارس 2017

نظريا، الحوار مع زوجة دبلوماسي رفيع المستوى هو حوار من نوع خاص. فصاحبة حواري هذا هي قرينة السفير عمرو رمضان، مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة وأكثر من 22 منظمة دولية بجنيف. هبة مميش  سيدة رقيقة، هادئة ومبتسمة ومثقفة للغاية، تتحدث الفرنسية والإنجليزية بطلاقة، ولديها مستوى معقول جدا من اللغة البرتغالية.

جاءتني الموافقة على إجراء الحوار بالبريد الإلكتروني من مقر البعثة المصرية، بعد أن تعرفت على قرينة السفير شخصيا في الحفل الكبير الذي تقيمه منظمة الأمم المتحدة سنويا بمناسبة أعياد نهاية العام.

فقد شاهدتها تقف وسط مجموعة من زوجات الدبلوماسيين المصريين خلف منضدة كبيرة تتزين بمفرش من أقمشة أخميم، ويعرضن للبيع لضيوف من 193 دولة، مجموعة منتقاة بعناية من المنتجات اليدوية المصرية في السوق الخيرية الضخمة التي أقيمت على مساحة ثلاثة أدوار في المبنى الرئيسي لهذه المنظمة العريقة.

ذهبت إلى سكن المندوب الدائم لمصر في اليوم والميعاد المحددين، وهو صغير مقارنة بما يجاوره من مقرات سفراء آخرين ممن لديهم حمامات سباحة ومراسي يخوت وغيرها، ويقع في أحد أرقى أحياء المدينة التي تتحدث الفرنسية. أدخلني السفرجي إلى قاعة الاستقبال الواسعة التي تطل على منظر خلاب لبحيرة جنيف، ومن خلفها رأيت جبال الألب الشاهقة الشهيرة وقد بدت في زينتها بلون الثلوج. شتاء سويسرا دائما ما يكون لونه أبيض. ديكور السكن المكون من دورين كلاسيكي الطراز في مجمله، تزينه بعض لوحات زيتية لفنانين تشكيليين مصريين معاصرين، مع إكسسوارات فضية شرقية الطراز، وتبدو في الزاوية المقابلة لي منضدة منفصلة عليها مصحف كبير في علبة من الصدف. انتظرت 10 دقائق كانت كافية للحكم على ذوق الدار: راق.. وقور ورحب.. متجانس الألوان وشرقي الملامح. بادرتني مضيفتي بالاعتذار: آسفة جدا على التأخير، كنت أشترى لوازم لحفل عشاء..

كان هذا نظريا. أما عمليا، فقد ابتسمت لها، وبدأت أسئلتي..

-سيدتي.. حدثيني عن نشأتك؟

نشأت وأقمت في الإسكندرية رغم أن والدي صعيدي من المنيا ووالدتي من بورسعيد. لدى شقيق واحد التحق بكلية فيكتوريا الإنجليزية، كما تفعل عادة العائلات آنذاك، بينما ذهبت أنا إلى مدرسة الراهبات، حيث الدراسة باللغة الفرنسية. وأعتبر نفسي إسكندرانية في المقام الأول.

-وما الذي أتي بكم من عروس الصعيد إلى عروس البحر المتوسط؟

دخل والدي كلية العلوم جامعة الإسكندرية، وتعرف على والدتي وتزوجها وكانت تدرس الآداب الفرنسية في ذات الجامعة، فقد تركت بورسعيد هي وعائلتها مع المهجرين في 1967.

-هل لديكم قرابة مع الفريق مهاب مميش رئيس هيئة قناة السويس؟

الفريق مهاب مميش هو ابن عم والدي، وأصل عائلة مميش من المنيا كما قلت لك.

-ماذا عن تفاصيل اللقاء بزوجك؟

التقيت زوجي في ربيع 1999 في أكبر ناد رياضي في الإسكندرية. كان أثناء شهر رمضان. كنت جالسة أنا ووالدتي ننتظر والدي، فمر هو ووالدته علينا، وسلما علينا حيث كانت السيدتان من المعارف. مرت المقابلة سريعة وبسيطة وبدون أي نوع من أنواع الترتيب. وفوجئ والدي بعد يومين باتصال من السفير الذي كان دبلوماسيا شابا وقتها: يريدالتعارف بقصد الزواج. كان زوجي يستعد للسفر إلى جنيف كسكرتير أول في البعثة المصرية الدائمة لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، بعد العمل خمس سنوات متصلة في مكتب وزير الخارجية آنذاك السيد عمرو موسى واستبقائه لزوجى، بما أدى لتفويت دوره فى النقل للخارج ثلاث سنوات. وبينما كان يستعد، قابلني وأعلن عن رغبته في الارتباط بي وهو على وشك السفر. طلبت تأجيل السفرعدة أسابيع حتى يتسنى لنا عمل تعارف وخطوبة، ثم عقدنا القران والفرح في فترة وجيزة جدا.

-كيف أقنعك سيادة السفير بترك عائلتك وعملك وأصدقائك والسفر معه إلى الخارج ؟

الحقيقة كانت فترة صعبة. فهو كان على وشك السفر وأنا أعتبر نفسي صاحبة شخصية متأنية، خاصة فيما يخص اتخاذ القرارات المصيرية. بصراحة.. أنا لست أبدا من النوع الذي يأخذ قرارات سريعة. لكنه أقنعني بشخصيته الواضحة والصادقة فانجذبت له.

-حدثينا عن عائلتك الصغيرة ؟

عندي ولدان وبنوتة، آخر العنقود. أحمد، ابني الكبير سيتم 17 سنة وينتهي من دراسته الثانوية هذا العام. أما الأوسط فهو على وعمره 14 سنة ويعتبر في الصف الثاني الإعدادي. ونورين، 7 سنوات، هي آخر العنقود وفي الصف الأول الابتدائي. أحمد يحب التاريخ السياسي وتاريخ الحروب والتغيرات السياسية وأسباب الحروب العالمية ونتائجها. وأنا لا أعتقد أنه سيدخل السلك الدبلوماسي لأني أرى أن له ميولا أكاديمية بحثية.

-سافرت مع زوجك إلى الولايات المتحدة الأمريكية والبرتغال وسويسرا كيف تفاعل الأبناء مع هذه الثقافات المختلفة ؟

الأبناء في سنواتهم الأولى يكون لديهم استعداد كامل لتعلم لغات جديدة. وعندما انتقلنا من نظام التعليم الفرنسي في سويسرا إلى المجتمع الأمريكي في الولايات المتحدة في 2006، ألحقنا الأولاد مدرسة فرنسية، فاستمروا في الدراسة باللغة الفرنسية، وعاشوا من ناحية أخرى الثقافة الإنجليزية الأمريكية، فكسبوا في الواقع اللغتين والثقافتين. أمريكا بلد مفتوح وأنشطة الشباب واسعة جدا ولا حصر لها.

وعندما ذهبنا إلى البرتغال بعد أن عين زوجي سفيرا لمصر في هذا البلد الجميل، تذكرنا جميعا الإسكندرية، مدينتنا المحبوبة. وسريعا ما توافقنا مع البرتغاليين حيث إن ثقافتهم متشبعة كثيرا بالثقافة العربية. هل تعرفين أن عدد الكلمات العربية في اللغة البرتغالية تقريبا 18 ألف كلمة. وقام العالم البرتغالي خوسيه أدالبيرتوألفيز بتجميعها في كتاب أصدره عام 2013 وأطلق عليه “قاموس الكلمات العربية في اللغة البرتغالية”.

-تحدثت عن أهمية استقرار حياة الأبناء ومشاكلهم مع السفر، بينما يفكر الجميع – وخاصة الفتيات والسيدات – أن حياة زوجة الدبلوماسي عبارة عن حفلات استقبال مستمرة..

في الحقيقة أنا  امرأة مصرية عادية وأيامي ليست كلها حفلات. فالحياة الدبلوماسية  عبارة عن التمثيل الخارجي الذي نمثله لمصر بكل الوجوه، بمعنى أن يقوم الزوج بعمله وتستكمله الزوجة عن طريق الأنشطة الاجتماعية والثقافية بمجهودات ذاتية صرفة.

وزوجة الدبلوماسي تقوم بدورها مثل أي زوجة مصرية لكن بدون أية مساعدة.

-حدثيني عن الأشياء البسيطة..؟

عندما أريد مثلا عمل مائدة مصرية لزوجي وأصدقائه من الدبلوماسيين، فأنا لا أجد مستلزمات عمل الأطباق المصرية التي نحبها، مثل الفول والبامية على سبيل المثال. لم نجد في خدمتنا في البرتغال أي منتجات مصرية. في جنيف قد نجد معلبات أو مجمدات. تعلمت أيضا خبيز العيش المصري في المنزل لأني لم أجده في المحلات. تعلمنا جميعا أن نفعل أشياء لم يكن يخطر على بالنا عملها في بلدنا. شيء آخر: أنا أعلم أولادي اللغة العربية عن طريق دروس خاصة لأنهم لا يدرسونها في المدارس. أريد أن يكون مدرسهم مصريا حتى يعلمهم اللهجة المصرية وليست الشامية ولا المغاربية. أريد أن أعلمهم دينهم وهذا أيضا غير متاح بدرجة كافية.

-وماذا تريدين أن يأخذ أبناؤك من الغرب؟

أول شيء، الالتزام وحب العلم والعمل والشعور بالمسئولية تجاه أي شيء يقومون به: دراسة، عمل، صداقة وغيرها.

-هل تقولين إن العودة ستسبب أيضا مشاكل؟

أكيد. العودة إلىمصر بعد فترة غياب في أوروبا ستحدث حتما صداما حضاريا، خاصة فيما يخص الالتزام والعمل والزحام وصعوبات الحياة نفسها. عائلات الدبلوماسيين تعاني في الواقع في السفر وفي العودة، وتتكرر هذه القصة كل 4 سنوات. ولعلمك البعض يسافر ويترك عائلته في مصر، لكني لا أفضل ذلك.

-ما الأنشطة الفنية التي تقوم بها الجالية المصرية؟

نحن نشارك كبعثة مصرية دائمة في المنظمات الدولية في فعاليات كثيرة تقيمها هذه المنظمات في جنيف لتعزيز الحوار بين الثقافات المختلفة. ففي 2014 استقدمنا السوبرانو المصرية الشابة فاطمة سعيد التي فازت بجائزة فيرونكا دن العالمية، واستقدمنا أيضا الفنان حسام رمزي، وفي 2016 جاءت فرقة رضا للفنون الشعبية في اليوم العالمي للفرانكوفونية وحضر حفلها حوالي 1200 من الجمهور العاشق للفن المصري الأصيل. ونشارك سنويا في السوق الخيري الضخم الذي يقام في ديسمبر من كل عام في مقر الأمم المتحدة ونعرض منتجات يدوية مصرية رفيعة المستوى يتهافت عليها الأجانب. ونخصص عائد حصيلة إسهاماتنا الشخصية كقرينات العاملين بالبعثة لصالح أعمال خيرية فى مصر، بما سمح خلال العامين الماضيين بالمشاركة ولو محدودة في تمويل تجهيز مستشفى الحروق الجديد .

-أتصور أن حياة جادة بهذه الطريقة لا يمكن أن تخلو من الطرائف. ما تلك القصص التي لا يمكن أن تنسيها؟

كنا أثناء خدمتنا في واشنطن وأقمنا في منزلنا لقاء لمجموعة من زوجات الدبلوماسيين من عدة قارات وكن كلهن على مستوى عال من الثقافة والرقي. فحضرت إحدى الزوجات الأوروبيات وكانت صغيرة في السن، ودخلت الصالون وخلعت حذاءها وصعدت إلى الكنبة وجلست رافعة قدميها تحتها، مثلما تفعل سيداتنا الريفيات الفاضلات. الحدث غريب ولم أكن أعرف ماذا أفعل! كنت في غاية الإحراج. لم أستطع أن أطلب منها النزول من الكنبة وفي الوقت ذاته كنت أشاهد الاستغراب الشديد في عيون باقي ضيفاتي. وأخيرا جاء لي الإلهام: طلبت منها الخروج إلى الحديقة لأريها بعض النباتات فقامت معي. وعند عودتنا إلى الصالون استطعت أن أبقيها واقفة بجواري إلى نهاية الحفل!

-قصة واحدة فقط؟

القصة الثانية جرت أيضا في واشنطن وكأنها مقصودة.. كنت أقوم بإعداد حفل عشاء لوفد مصري عالي المستوى قادم من القاهرة، وكنت مسئولة عن ترتيب كل شيء. وفي الليلة التي سبقت هذا اليوم، كنت في مطبخي أعد الأطباق التي سوف أقدمها، فحدث ماس في الفرن الكهربائي واضطررت أن أطلب المطافئ بعد أن شاهت الشرر بنفسي. جاء رجال المطافئ سريعا وأمنّوا المكان، حيث إن المنزل كان مصنوعا من الخشب وكان يوجد خطورة كبيرة من انتشار اللهب. قالوا لي بعدها ألا أستخدم هذا الجهاز لأنه يحتاج إلى إصلاح. الحقيقة كان موقفا صعبا جدا لأن كل المأكولات كانت عبارة عن طواجن على الطريقة المصرية وحلويات شرقية، وجميعها لا يمكن أن تنضج إلا في الفرن. استطعت الخروج من هذا الموقف المحرج بفضل علاقتي الطيبة مع جارتي الصينية وكانت هي أيضا زوجة لدبلوماسي. قمنا سويا بنقل كل الصواني من مطبخي إلى مطبخها. وفي يوم المأدبة، قمت بطهوها «عند الجيران» لكي تبدو كل الأطباق شهية وساخنة، وأعدتها بسيارتي إلى المنزل، وانتهت المأدبة على خير، وكأن شيئا لم يكن.

وغير الطرائف يوجد أيضا مفاجآت محزنة. فقد كنت أستعد لاستقبال السفيرة نائلة جبر سفيرة مصر في جنيف في 2001، وأثناء تحضير الاستقبال جاءتني مكالمة من مصر أن خالي توفى، شعوري بالمسئولية جعلني لا أظهر أي مشاعر حتى مرت الليلة بسلام.

-ماذا عن علاقتك بالمصريين المقيمين في جنيف؟

شرفت بلقاء العديد من المصريين المقيمين بجنيف، وكثيرون حسهم الوطني عال، فيأتون إلى مقر البعثة الرسمي للتعارف والسؤال عما يمكن أن يقدموه من خدمات، للبعثة ولمصر. معظمهم لديهم شوق جارف لمصر ويعتزون كثيرا بالتراث المصري، وهذا يؤثر فينا كدبلوماسيين للغاية. وهم نماذج مشرفة ولديهم خبرات مهنية واسعة ومستعدون أن يساعدوا بأي شيء وفي أي وقت.أنا أدعو المصريين في جميع أنحاء العالم أن يتواصلوا مع سفاراتهم. فواجب السفارة ليس فقط تمثيل مصر في الخارج ولكن واجبها عمل علاقات بناءة وإيجابية بين المغتربين ووطنهم الأم.

-نريد أن نعرف كيف تخططين ليومك، وكيف توفقين بين واجبات البيت وواجبات زوجة السفير؟

في الواقع أنا أخطط لأسبوع كامل وليس ليوم واحد فقط، وبالمناسبة أنا طباخة ماهرة وزوجي علمني تقديم الكثير من الأطباق الشهية التي لم أكن أعرفها قبل الزواج. لقد عاش السفير وحيدا في لندن أثناء دراسة الماجستير، فتعلم الكثير وأصبح خبيرا كبيرا . جربت معه بعض الأطباق وفشلت وأخيرا بدأت بشائر التمكن في الظهور مع الخبرة والإصرار على النجاح. وأنا الآن أخبز العيش المصري وأصنع القطائف بنفسي.

-هل فعلا، كما نسمع، يدخل السفير بيوت الدبلوماسيين للحكم عليها؟

نعم. عليه أن يتأكد أن بيوت أعضاء السفارة مناسبة لوظائفهم من حيث الأحياء التي يقطنون بها والمساحة التي يستأجرونها والقيمة الإيجارية والأثاث. فعلى الدبلوماسي المصري الظهور بصورة مشرفة لأنه في النهاية واجهة لمصر. على زوجة الدبلوماسي أن يكون لديها معلومات عامة قيمة وأن تكون ملمة بقواعد البروتوكول ولها دراية كافية بكيفية إقامة المآدب والحفلات، وهذا ما تقدمه رابطة زوجات الدبلوماسيين في القاهرة. أنا شخصيا حضرت دورتين تكوينيتين واستفدت كثيرا منهما.

- عندما أعلنت أنني سأتزوج دبلوماسي في الخارجية، قالت صديقاتي إني سأعاني من الوحدة مثل فاتن حمامة في فيلم “أريد حلا” !

- عندما يأتي المساء وأرى المراكب في بحيرة جنيف، أتذكر فورا شقتنا بكورنيش المعادي على النيل في القاهرة والبحر في الإسكندرية ويقشعرجسدي حنينا..

- المآدب التي يقيمها السفراء المصريون تكون على حسابهم الشخصي، بما في ذلك احتفالات العيد القومي لمصر.

- ساعدت قرينة سفير السنغال على تعلم اللغة العربية حتى تتمكن من قراءة القرآن الكريم بالتشكيل ودون أخطاء.


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا