حين يفترسُنا العشقُ سِرًّا؟
حين يفترسُنا العشقُ سِرًّا؟
مشاهدات: 403
22 أغسطس 2015

 

 «لو شاءَ المسافرُ/ لقطَفَ حبيبتَه/ لتُدفئَ رحلتَه/ نحو أقاصي الأرضِ

والصقيعْ./ لكن الطيبين يظنّونَ/ أنَّ الزهرَ يفنَى/ إذا انخلعَ من أرضه!

الطيبونَ/ طيبونْ!/ لا يعرفون قانونَ الورودِ الماكرة/ وتناقضاتِ الزهرْ!

وحدَه الزهرُ/ يعرفُ…./ لكنه أبدًا/ لا يُنبئُ الحدائقيينَ/ عن أسرارِه./ الوردُ،/ إن سُئِلَ،/ لاختارَ أن يسافرَ مع العشّاقْ،/ حتى وأن هجَرَ/ حُضنَ الشجرْ.”

[من قصيدة: «قانون الوردة» | ديوان «الأوغاد لا يسمعون الموسيقى» | فاطمة ناعوت | دار العين ٢٠١٥]

المفتونون يُعظّمون ويُهوّلون كل السمات البسيطة في أحبتهم. تحت وطأة الضغط، كل العشاق تقريبًا بوسعهم أن يسردوا الأشياء التي لا يحبّونها في أحبتهم. لكنهم يقنعون أنفسَهم بأن تلك العيوب ملامحُ تفرّد وجاذبية. «هكذا يدير العشاق أسباب عاطفتهم/ لكي يحبوا نساءهم لدرجة عشق نقاط ضعفهن.» هكذا قال موليير. بل إن البعض يعبدون محبوباتهم بسبب عيوبهن.

«ولع العشاق بالمزايا الإيجابية في أحبّتهم هو لونٌ من التجاهل الفاضح للواقع. إنها الحياة عبر منظار ورديّ، ما أسماه علماءُ النفس: تأثير العدسة الوردية.» هكذا تصف فرچينيا وولف هذا النوع من الرؤية قصيرة النظر، قائلة: «الحبَّ.... إنْ هو إلا وهمٌ خادع. قصةٌ يحبكها الإنسانُ في ذهنه عن شخص آخر. ويعلم المرء طوال الوقت أنها غير حقيقية. وبالطبع يعلمُ، لماذا يحرص دائمًا ألا يكسر ذلك الوهم.»

النماذج التي اخترناها من الأمريكان واليابانيين تعكس بالتأكيد «تأثير العدسة الوردية» تلك. حوالي 65 % من الرجال و55 % من النساء في الاستطلاع، وافقوا على عبارة: «--- لديه/لديها بعض العيوب، لكن تلك العيوب بالفعل لا تُزعجني». و 64 % من الرجال و61 % من النساء أجمعوا على عبارة: «أحبُّ كلًّ شيء في ---».

لَكَم نخادعُ أنفسَنا حين نحبُّ. كان شوسر على حق حين قال: «الحبُّ أعمى.»

واحدٌ من الأعراض الرئيسية في الحب الرومانسي هو التفكير الاستحواذي المُفرِط في المحبوب. معروفٌ لدى علماء النفس باسم «التفكير المُقتحِم». فأنت ببساطة لا تستطيع أن تُخرج حبيبك من رأسك.

والأمثلة على التفكير المقتحِم تظهر بغزارة في الأدب. الشاعر الصيني ابن القرن الرابع، تزو ييه، كتب: «كيف يمكنني ألا أفكر فيكِ-» ، وكذا شاعر ياباني مجهول عاش في القرن الثامن كتب يأنّ: «اشتياقي لها لا نهاية له فمتي ينقطع؟» چيروت دي بورنيل، شاعر التروبادور الفرنسي ابن القرن الثاني عشر، أنشد يقول: «عبر عشق عظيم... أفكارٌ تعذّبني على نحو غير رحيم.» أما المواطن النيوزيلاندي فقد عبر عن معاناته بتلك الكلمات: «أرقدُ يقِظًا ليلةً بطول العمر/ لكي يفترسنى العشقُ سرًّا.»

ربما المثال الأكثر إدهاشًا على التفكير المقتحِم يأتي من القطعة الأدبية القروسطية في ولفارم فون إيشنباتش، للأديب بارزيفول. في تلك القصة، كان بارزيفول يركب حصانه ويتهادى به على إيقاع الخبب حينما شاهد فوق جليد الشتاء ثلاث قطرات من الدماء، مختبئات تحت بطة جرحها صقرٌ. ذكّرته قطراتُ الدم بمزيج المرمر مع اللون القرمزي في بشرة زوجته، كوندويرامورس. مشلولا بالمفاجأة، جلس بارزيفول في حال من التأمل، متجمدًا في سرج فرسه. «وهكذا، تلبّسه إلهام التأمل، تائهًا في أفكاره، حتى هجرته حواسُّه. العشقُ الهائل أسرَه في حال من الاستعباد.»

لسوء الحظ، كان بارزيفول حاملا رمحه المسنون- رمز الفروسية والتحدي. وسرعان ما لاحظه فارسان كانا يعسكران في مرج قريب مع الملك آرثر، فركضا نحوه ليبارزاه. ليس قبل أن يغطي أتباع بارزيفول قطرات الدم بوشاح أصفر، ثم أفاق من غيبوبة العشق، فامتشق سلاحه، وتأهب للمعركة المميتة.

الحبُّ جبّارٌ. وليس مدهشًا، أن 79 % من الرجال و78 % من النساء في استطلاعي قرروا أنهم أثناء وجودهم في الفصل الدراسي أو في العمل كانت أذهانهم تعود باستمرار لمعشوقيهم. وأن 47 % من الرجال و 50 % من النساء وافقوا على عبارة «مهما بدأ عقلي في التفكير، إلا ان عقلي دائمًا ينتهي بالتفكير في ---». استطلاعات أخرى سجلت نفس النتائح. وسجل المشاركون في الاستطلاع أنهم يفكرون في «أحبتهم» حوالي 85 % من ساعات صحوهم.

كم كان ميلتون ذكيًّا في «الفردوس المفقود» حين جعل حواء تقول لآدم: «باستحوذاك عليَّ، أنسى الوقتَ كلَّه.»