حكايات رمضانية (3)
حكايات رمضانية (3)
مشاهدات: 147
30 مايو 2019

بعد أن أعدت قراءة ما سطرته على لسان كاتبنا الكبير نجيب محفوظ قبل ما يقرب من ربع قرن أدركت صدق حدسي الذي منعني من التخلص من أوراق وكتب قديمة، وذلك الهاجس الذي يراودني مؤكدا أنني حتما في لحظة ما سأعود إليها لتكشف لي ما استعصى على فهم ابنة العشرين، فعندما سطرت عبارات نجيب محفوظ في تلك الأيام عن ذكرياته الرمضانية كان جل اهتمامي أن أنقلها حرفيا، فلم تستوقفني آنذاك دلالتها الضمنية التي ظهرت جليا أمام عيني الآن، فحصيلة ذكريات كاتبنا الكبير عن قاهرة المعز والتي لم تظهر قط بصورة تقريرية مباشرة في أعماله، كما أشار، تفاعلت بالمعاصرة. الملامح والعناصر الصوفية في تكوين الشخصية، والحدث، والمكان، والزمان، واللغة لتطالعنا في أعماله بصور متعددة ومن خلال شخصيات تطرح أسئلة عن المطلق وحقيقة الوجود وعبر عبارات تتردد على لسان مشايخ الصوفية وشخصيات التصوف الشعبي (المجاذيب) باعتبارهم رموزا للحكمة المجهولة، فالتصوف المحفوظي رمز للطاقة الروحية للإنسان.. و.. ولكن هذا حديث له مجال آخر، وما يعنينا هنا في حكاياتنا الرمضانية التي جاءت على لسان كبار كتابنا الذين حاورتهم في رمضان، ولنصل ما انقطع من الحديث، أتوقف أمام ما قاله كاتبنا الكبير نجيب محفوظ آنذاك عن أثر القصص القرآني في الرواية المعاصرة،

ففي صندوق ذكريات الكاتب ثروت أباظة أكثر من بطاقة يحمل كل منها اسم عمل روائي استوحاه أو كتبه في رمضان.

عندما سألته عن ذكرياته الرمضانية قال «رغم ارتباطي بالقرية فإنني لم أمض قط شهر رمضان بالكامل فيها، فأنا أفضل أن أقضي رمضان في القاهرة خاصة أن شهيتي للعمل تتفتح خلال هذا الشهر وأشعر بمتعة الكتابة خاصة في فترة الظهيرة. وأتذكر أنني انتهيت من كتابة أكثر من عمل خلال شهر رمضان، كذلك فقد طرأت لي خلال شهر رمضان فكرة رواية» خشوع» ورواية «طارق من السماء» ومجموعة من الأعمال التي استوحيتها من القرآن، وسوف أنتهي من رواية جديدة في رمضان الحالي لم أستقر بعد على اسمها «. وأظنه كان يعني رواية «الغفران» التي تعد اقتباسا واضحا لقصة سيدنا موسى عليه السلام، وهنا تجدر الإشارة أن للكاتب الكبير ثروت أباظة كتابا بعنوان «السرد القصصي في القرآن الكريم».  

من بيت الأمة إلى الزنزانة

بيت الأمة، ليالي سمر وعمل ومطبعة لا تعترف بالأعياد والمناسبات، ولو كانت محزنة، ثم ظلمة الزنزانة تطبق على القلب ولكنها أبدا لا تكسر القلم.. صور كثيرة في صندوق ذكريات الكاتب الصحفي الكبير مصطفى أمين وأكثرها وضوحا تلك التي يأخذنا فيها إلى القاهرة القديمة وبالتحديد لحي السيدة زينب. يقول «كان لرمضان في ذلك الزمن مذاقه الخاص وقداسته الحقيقية غير المصطنعة، وكانت المشاعر الدينية نابعة من الفطرة السليمة، وكان الناس جميعا على اختلاف مللهم يحتفون بالمناسبات المقدسة للطوائف الأخرى بحب حقيقي. تفتحت عيني في بيت الزعيم سعد زغلول وكان بيته، بيت الأمة، مثله كمثل كل بيوت الليل، التي كانت تتحول في رمضان إلى دوار كبير أو مسجد مترامي الأطراف أضيئت أنواره، فأمام كل بيت أكثر من مائدة لإطعام الصائمين، وفي كل بيت مقرئ يقرأ القرآن طوال الليل. وكم شهدت مقاهي القاهرة في ذلك الزمن جلسات كبار الفنانين والكتاب الذين كانوا يتحولون في هذا الشهر إلي مستمعين لنجم رمضان الأوحد في ذلك الزمن، وأعني به شاعر الربابة . ومن الصور التي لا أنساها صورة أمير الشعراء أحمد شوقي والموسيقار محمد عبد الوهاب وقد جلسا في إحدى الليالي الرمضانية في مقهى الفيشاوي في مقعد المتفرجين لأول مرة وكأن الأضواء انحسرت عنهما فجأة لتتركز على المكان وشاعر الربابة ومستمعيه».

ويستطرد الكاتب الكبير قائلا: «أما بالنسبة لنا نحن الصغار آنذاك  فقد كان رمضان يعني الدوران بقدر من الحرية غير المتاحة في الأيام العادية، فكنا نمكث في الشارع حتى موعد الإفطار، فنزدرد بضع لقيمات على عجالة ثم ما نلبث أن نهرع مرة أخرى إلى حارة البابلي وعاطفة أبي الشحات وشارع المبتديان وشارع نوبار لنستكمل ألعابنا ونقوم بطور المسحراتي.. ثم كان رمضان في سن الشباب والرجولة شهر سمر وعمل لا ينتهي إلى أن توقفت العجلة عن الدوران ..» فجأة تموت الكلمات على شفتيه وتكسو وجهه كآبة وحزن وشت بهما نبرات صوته. وهو يقول» ولأن السجن هو الهول الأكبر، ولأن القضبان أمام عينيك تمنع الرؤية والباب الحديدي يقف حائلا بينك وبين الحياة، ولأنه لم يكن في قدرتي أن أطفئ النور أو أضيئه ، إذ كان الحق الوحيد المتاح لي هو أن أفتح عيني أو أغمضهما، ولأن الوحدة قدر مفروض علينا طوال أيام العام كانت الزنزانة أكثر وحشة وضيقا في ليالي رمضان.. تجربة لم أصغها بعد ولعلني أفعل بعد أن أستكمل كتابة سنوات السجن. وكان يقصد بالطبع مجموعة الكتب التي أصدرها تبعا «سنة أولى وثانية وخامسة سجن الخ «وسجل فيها الأيام القاسية في المعتقل السياسي. وما زال لحكاياتنا الرمضانية بقية نطالعها معا الأسبوع المقبل بمشيئة الرحمن.


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا