خد لك «سيلفي»!
خد لك «سيلفي»!
مشاهدات: 63
15 مايو 2019

ها نحن اليوم نتنسم عبق أجواء الشهر الكريم بكل جلاله وروحانياته ولياليه العامرة بذكر الله والصحبة الطيبة بين الأهل والأحباب. والمؤكد أن معظمنا غدا، بمجرد أن يذهب الظمأ وتبتل العروق، سيأخذ أكثر من صورة بالموبايل (سيلفي يعني) على مائدة الإفطار.

ورغم أن الإنسان منذ الأذل شُغف بتسجيل اللحظات المهمة في حياته خاصة المفرح منها سواء بالرسم أو الحفر على الجدران وبعدها بقرون بالتصوير بالكاميرا الفوتوغرافية، فإن الصعوبات التي كانت تكتنف عملية التصوير جعلت الصور الشخصية والعائلية مقتصرة على المناسبات المهمة للدرجة التي يصعب فيها على معظمنا العثور ولو على صورة واحدة لأجداد وعمات وأخوال لم يلحقوا بعصر المحمول المزود بالكاميرا الرقمية. والحقيقة أن ظهور هذه التقنية أحدث تحولا غير مسبوق، إذ لم يعد التقاط الصور يتطلب كل التجهيزات والاستعدادات التي شهدتها بعيني وظلت طقوسا معتادة لكل من يفكر في تسجيل لحظات بعينها أو مجرد التقاط صورة شخصية لبطاقة! بدءا من التعامل مع كاميرا كلما ثقل وزنها زادت حساسيتها وإمكاناتها، مرورا بشراء الأفلام والبحث عن أماكن لتحميض (إظهار) الفيلم، وصولا لمأساة تحديد موعد في استديو يلاحقك فيه المصور بتعليمات وطلبات عبثية من قبيل الابتسام ببلاهة وأنت مصلوب أمام لوحة بدائية للإيحاء بأن الصورة تم التقاطها بين أحضان الطبيعة! فبظهور كاميرا المحمول تحولت كل التجارب والممارسات السابق ذكرها لحالة متحفية، أغلب الظن أنها ستثير دهشة الأجيال القادمة وربما تدفعهم للرثاء والسخرية من استسلام أصحاب الصور لنزوات مصور، صور له خياله المحدود أو القواعد التي لقنها له أرباب الصنعة أن التصوير مجرد مجموعة من أوضاع للجلوس أو الوقوف يظهر فيها الشخص وكأنه تمثال أبله بلا روح ولا شخصية تميز فيفي عن سنية ولا محمد عن أحمد ! 

والحقيقة أن كاميرات المحمول وإن سهلت التقاط الصور وتسجيل الأحداث أيا ما كانت أهميتها، وخلصتنا من الأوضاع الجامدة والابتسامات المصطنعة، إلا أنها أدت لظهور أكثر من مشكلة دفعت السلطات في بعض الدول لوضع لافتات في مناطق بعينها تحذر من التقاط «السيلفي»، فوفقًا لمجلس السلامة الوطني الأمريكي، فإن عدد الحوادث التي تقع سنويا بسبب التقاط الصور الشخصية بالمحمول «سيلفي» يقدر بنحو 1.6 مليون حادث! كذلك فقد قدر مركز العلوم الصحية بجامعة شمال تكساس حالات الوفاة نتيجة الرسائل النصية أثناء القيادة بـ 16141. كذلك فقد شنت روسيا حملة عامة ضد الصور الشخصية (السلفي) بعد أن أثبتت الإحصائيات وقوع 10 حالات وفاة و100 إصابة هذا العام بسبب تعمد التقاط صور شخصية في أماكن وظروف غير مناسبة. في السياق ذاته أغلق المسئولون في مدينة دنفر البريطانية في أغسطس الماضي حديقة عامة بعد وقوع سلسلة من الحوادث بسبب محاولة الزوار التقاط صور سيلفي مع الدببة!

وعلى الرغم من أن قائمة الحوادث المرتبطة بالـ «سيلفي» قد تبدو غريبة وأقرب للخيال، فإن انتشار عملية التصوير الذاتي للدرجة التي جعلت مجلة «تايم» تفرد على صفحاتها تقييما لأعلى معدلات التقاط صور سليفي في العالم - لتحتل مدينة ماكاتي وباسيج في الفلبين المرتبة الأولى في العالم، تليها مانهاتن وميامي ومقاطعة أورانج في كاليفورنيا إلخ - واستمرار وتزايد معدلات الحوادث التي وقعت بسبب «السيلفي» أثارا انتباه الباحثين والمسئولين لتصبح «السيلفي» موضعا للاهتمام والدراسة ودافعا لاتخاذ عدد من القرارات التي قلصت مساحة حركة وحرية الزائرين لعدد من المناطق والمواقع السياحية في الولايات المتحدة والبرتغال وسانتيجو وأستراليا. فبينما اعتبر البعض أن وقوع هذه الحوادث سببه عدم اتخاذ الاحتياطات الواجبة للحفاظ على الحياة وتجاهل المخاطر الناتجة عن الاقتراب من الحيوانات البرية وعدم الالتزام بالتعليمات وقواعد السير والقيادة على الطرقات، اعتبر بعض الساسة وخبراء علم النفس أننا أصبحنا نواجه مرضا جديدا أطلقوا عليه «نرجسية الإنترنت»، حيث تُستخدم الهواتف المحمولة لالتقاط  صور شخصية في ظروف غير عادية. فالشخصية النرجسية، طبقا لتعريف علم النفس، تمثل نمطًا من أنماط البشر يعجب بنفسه ويعتز بها لدرجة مرضية تدفعه للسعي بصورة مبالغ فيها للاستحواذ على إعجاب الآخرين، وفي المقابل تجاهل احتياجاتهم مما يؤدي إلى انسلاخه عن المجتمع الذي يعيش فيه لتكون نهايته التقوقع على الذات أو الموت كما حدث لـ «نركسوس» بطل الأسطورة اليونانية. من هنا كان اشتقاق المسمى لوصف حالة الشغف التي تدفع البعض للسعي لتأكيد التميز ونيل الإعجاب بتعمد المخاطرة والتحدي وعدم الحذر لمجرد التقاط سيلفي ونقله على صفحات التواصل الاجتماعي.

في هذا السياق حذر أحد المسئولين الروس في إطار الحملة المضادة للسيلفي من الانسياق وراء الولع بنشر صور شخصية على شبكات التواصل الاجتماعي لحصد أكبر قدر من المشاركات والإعجاب مؤكدا أنها أقرب طريق للموت. ورغم أننا والحمد لله لا نمتلك غابات أو حدائق مفتوحة تتجول فيها الحيوانات البرية أو المتوحشة براحتها، أو شلالات تستثير شهية المغامرين الباحثين عن «لايكات» وخلافه، فإن للسيلفي لدينا مخاطره أيضا، خاصة في الشوارع العامرة بالمطبات وبالشاحنات والأماكن التي يؤمها مشاهير قد يتصورون أنك تقتحم خصوصيتهم أو تتلصص عليهم، فتقع «الفاس في الراس»! والخلاصة عزيزي القارئ.. نصيحة لوجه الله: خد لك سيلفي على سفرة رمضان أو بجوار «شفشق قمر الدين» وتأكد من أنك «برضه» ستحصل على «اللايكات» المطلوبة دون أن تصبح رقما جديدا في قائمة ضحايا «السيلفي».


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا