أطياف الشجن
أطياف الشجن
مشاهدات: 126
14 مارس 2019

كان الزحام خانقا، فى طريقى إلى «الأخبار»، ضغطت مفتاح الراديو، ذلك الرفيق الرحيم الذى يسحبنى من دوامة التوتر، ينقذنى من الزهق، لا أتخيل حقيقة الحياة بدون الراديو، أستطيع أن أبتعد عن التليفزيون أياما دون أية مشكلة، بل على العكس يتحسن مزاجى، وتهدأ أعصابى كلما قلت ساعات متابعتى لهذه الوسيلة الإعلامية التى تأخذ منا أكثر مما تعطينا. أما الراديو، فهو الصديق الذى يمنحنى طاقة الصبر والتسامح مع أخطاء البشر. البرنامج الموسيقى غالبا ما يكون مقصدى الأول، يليه إذاعة الأغانى الممتعة البديعة.

فى ذلك اليوم، كنت فى قمة الاستياء، السيارة تتحرك كالسلحفاة، ربما السلحفاة أسرع، وأصوات الكلاكسات تتعالى، تتداخل فيما يشبه الصراخ، أغلق نوافذ السيارة، وأشغل الراديو، لتنهمر موسيقى بليغ حمدى، تجتاح روحى فى لحظة واحدة، أنفصل تماما عن كل القبح الذى يحيطنى، يسحبنى اللحن العبقرى، المضفر بكلمات مأمون الشناوى، وصوت كوكب الشرق أم كلثوم تشدو برائعتها»أنساك». أغوص فى أعماق نفسى، فأراها بكامل وجهها، وتفاصيل ملامحها الذكية، الحنونة. أمى التى كانت رغم صرامتها فى تربيتنا أنا وأخواتى، وخوفنا منها جميعا، تجمعنا فى أمسياتنا العائلية الدافئة، وتغنى لنا نحن بناتها الصغار بصوت جميل، يتمتع ببحة شجن تفيض بالمشاعر، وتتدفق بالشجن هذه الأغنية»أنساك.. ده كلام.. أنساك يا سلام». أستدعى صوتها، ولمتنا حولها، أحس شجنا عميقا يحرك ذكريات راقدة فى ركن بعيد، تنحدر دموعى بلا توقف، وأنا أستمع لأم كلثوم، وأستدعى صوت أمى رحمهما الله، حالة عجيبة من الحوار الداخلى»المونولوج» يفتح عليها ستار مسرح فى خيالى، أقول: لماذا لم أمنح نفسى الوقت الكافى للحزن عند رحيلها؟ لماذا تركت الدنيا وعجلة الحياة والعمل تشدنى بسرعة؟ كان يجب أن أمنح نفسى هذا الحق فى معايشة حزنى على رحيلها، وتأمل ذكرياتى مع  تلك الشخصية الفريدة التى طالما أثرت فى حياتى، ولاتزال. لماذا لم أتمرد على الالتزامات وقتها؟ وأتشبث بحقى فى القبض على لحظات لا يعوضها شىء فى الحياة؟ لقد هللت على يا أمى لتنتزعينى من دقائق خانقة، فحولتنى ذكراك وصوت أم كثوم ولحن بليغ وكلمات الشناوى إلى كائن آخر، شفاف، يملؤه الشجن، يغمره الهدوء والسلام الداخلى. أنساك يا سلام.. أهو ده اللى مش ممكن أبدا ولا أفكر فيه أبدا.

لؤلؤ الكلمات:

أبلِغ عَزيزاً في ثنايا القلبِ مَنزله... أني وإن كُنتُ لا ألقاهُ ألقاهُ

وإن طرفي موصولٌ برؤيتهِ... وإن تباعد عَن سُكناي سُكناهُ

ياليته يعلمُ أني لستُ أذكرهُ ... وكيف أذكرهُ إذ لستُ أنساهُ

يامَن توهم أني لستُ أذكرهُ... واللهُ يعلم أني لستُ أنساهُ

إن غابَ عني فالروحُ مَسكنهُ... مَن يسكنُ الروح كيف القلبُ ينساهُ؟

أبوالطيب المتنبى


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا