«اتنين كفاية».. مش كفاية!
«اتنين كفاية».. مش كفاية!
مشاهدات: 84
14 مارس 2019

انقشع غبار المعركة وانفض المولد «وكل حي راح لحاله».. ورغم أن المعلم باهي استسلم للأمر الواقع وحدد موعد زواج ابنتيه «على فص عينه»، بعد أن تكالب عليه خلق الله ولم تعد في جعبته حجج لتأجيل الزواج لشهر و«لا اتنين» قبل أن يودع للأبد راتب البنتين اللتين ألحقهما بخدمة بيتين من بيوت «الكبارات»، فأعفتاه من الجري وراء لقمة العيش واكتسب لقب المعلم دون صنعة ولا شقاء! ضحك بملء فمه وهو يرى أكرم حسني في دور الفلاح أبو شنب المحاط بعزوة من الرجال هاربا بين الحقول، وفيما كان المعلق يقول «اتنين كفاية» بدأ يقلب الأمر في رأسه ويفكر في من حل عليهما الدور من بناته لتحلا مكان العروستين لتعويض خسائره وإعمار محفظته ورأسه! 

ورغم أن الاهتمام بقضية زيادة السكان ومحاولة توعية المواطنين بمخاطر الانفجار السكاني في دولة تمثل الصحراء نسبة لا تقل عن 94 % من مساحتها ويتكدس سكانها في الوادي الضيق الذي تتهدده مشكلة ندرة المياه، أمر محمود ويستحق الثناء، فإن حل مشكلة الزيادة السكانية يحتاج لما هو أكثر من حملة إعلانية تفجر ضحكات المشاهد وبعدها يعود كل لطريقة حياته المعتادة، أو مجرد تزويد مراكز تنظيم الأسرة بوسائل تنظيم الحمل وموانعه!

  فحكاية أخونا باهر – وبالمناسبة هي طبق الأصل وليست من وحي خيال- تعيد للذاكرة سلسلة طويلة من الإعلانات والأفلام التي تناولت مشكلة كثرة عدد الأبناء ولكنها ربما في غمرة الحماس أو مراعاة لذائقة المشاهد، أغفلت أو ربما لم تهتم اهتماما كافيا بكل أبعاد المشكلة وتداعياتها لتصبح المحصلة بعد كل حملات التوعية والإعلانات الباهظة الثمن على مدار ستين عاما، زيادة سكانية مضطردة ليزيد عدد سكان المحروسة إلى ما فوق المئة مليون!

تشير الأرقام الرسمية إلى أن عدد سكان مصر يزيد بمعدل 2.6 مليون نسمة سنوياً، وأن معدل النمو السكاني نحو نصف معدل النمو الاقتصادي، وأن نسبة البطالة تبلغ رسمياً 10 ٪، إذ يدخل 800 ألف شاب مصري إلى سوق العمل سنويا! ورغم كل ما يقال عن الثروات البشرية والقدرة على الاستفادة منها، فإن الأرقام السابقة تؤكد خطورة المشكلة بالنسبة لدولة تعتبر جغرافيا منطقة صحراوية يتركز سكانها في مساحة الوادي الضيق، مما يعرقل خطط تحقيق نمو اقتصادي يلمس الناس نتائجه بصورة مباشرة وسريعة. 

وبالعودة للإعلانات وللأفلام وغيرها من المواد الدرامية التي عرضت للمشكلة _ مثل أفلام «ليلة عسل» و«الحفيد» و«أم العروسة»-، والتي تؤكد الدراسات أن لها تأثيرا ملموسا في إقناع المشاهدين وتغيير قناعاتهم، نلاحظ أن هذه الأعمال وإن لم تقدم حلولا عملية لمشكلة الزيادة السكانية أو تداعياتها السلبية على حياة الأسرة من منطلق «مفيش داعي ننكد علي الناس اللي دافعة فلوس في تذكرة السينما» أو خشية انصراف الجمهور عن شباك التذاكر، فإنها كشفت بصورة غير مباشرة عن الأسباب التي أجهضت كل حملات التوعية الداعية لتنظيم الأسرة، من قبيل الدوافع الدينية والاقتصادية والأعراف الاجتماعية التي تحدد قناعات الأسر وقراراتها، فظهور أكرم حسني في دور الفلاح أبو شنب المحاط بعزوة من الرجال لا يفكون الخط لا يحل معضلة الحلال والحرام التي لا يواجهها المواطن الأمي وحده، بل أيضا تؤرق كثيرين من المتعلمين وحملة الشهادات الذين ترسب في عقولهم أن الاكتفاء بعدد معين من الأبناء يمثل تحديا لإرادة الله الذي يرسل لكل طفل رزقه. كما أن هذه الإعلانات مهما كانت تقنياتها ومهما ردد المشاهدون كلمات حوارها أو أغانيها لا تنفي حقيقة أن الأعراف والتقاليد الاجتماعية الحاكمة تدفع الرجال والنساء لتكرار الحمل والولادة لتحقيق حلم إنجاب الصبي الذي يحمل اسم العائلة ويكون سندا للأسرة في مستقبل الأيام، وهو ما عبر عنه عماد حمدي في فيلم «أم العروسة» ومن بعده عبد المنعم مدبولي في المشهد قبل الأخير في فيلم «الحفيد» اللذين عرضا معاناتهما على مدار أكثر من ساعة ونصف الساعة بسبب كثرة الأبناء، لينتهي الفيلمان بزغاريد ورقص ودق هون لوليد جديد ينضم لقبيلة الأبناء والأحفاد «وكأنك يا أبو زيد ما غزيت!». الأهم من ذلك أن الأسر الأكثر احتياجا تعتبر أن كل مولود جديد بمثابة مكسب اقتصادي أو بمعني أصح مورد رزق جديد، إذ يتم دفعه لسوق العمل أيا ما كان ولو بالتسول في إشارات المرور أو العمل في البيوت أو.. أو.. مثل صديقنا باهي وأقرانه.

وفي تقديري، ورغم احترامي للجهد وللحملة الجديدة لتنظيم الأسرة وضرورتها في هذا التوقيت، أن الأمر يحتاج إلى جهد أكبر على الأرض وبين الناس لتصحيح مفاهيم وتغيير قناعات ترسبت في اللاوعي الجمعي، تقفز في وجه الأمي وحامل الدكتوراه في لحظة الاختيار! الأمر يحتاج إلى حجج وأسانيد دينية يقبلها الأمي والمتعلم، إضافة للتعامل مع الأبعاد الاقتصادية والأعراف الاجتماعية التي تحدد قناعات الأسر، وهذا يتطلب ما هو أكثر من مجرد إعلان وممثل خفيف الظل أو تكديس وسائل حمل في مخازن انتظارا لقادم «يقدم رجل ويؤخر عشرة» لمليون سبب! وبالتالي ومع كل تقديري لحملة إعلانات «اتنين كفاية»، لا أملك إلا أن أقول إنها «مش كفاية»!


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا