كثير من الخوف (4)
كثير من الخوف (4)
مشاهدات: 126
3 يناير 2019

سمعت عن الطائرة الهيلكوبتر واستخداماتها وقت السلم والحرب بل وفى ملاحقة المجرمين فى الأفلام الأمريكية، لكنها كانت  المرة الأولى التى أسمع فيها تعبير «الآباء الهيلكوبتر»  عندما استخدمه فرانك فريدى فى كتابه «كيف يعمل الخوف أثره فى النفس» وهو يصف حال آباء اليوم!

 يقول فريدى إن مصطلح «الآباء الهيلكوبتر» و«الوالد المروحي» ظهر منذ بضعة أعوام بين مديرى الكليات لتوصيف الاتجاه المتنامى للآباء للتدخل فى حياة أبنائهم والمسارعة للتدخل لحمايتهم من تداعيات أى موقف صغر أم كبر، دون أن يتركوا لهم فرصة للتفكير أو التعامل منفردين مع أى مشكلة. ويوضح الكاتب أن الأهل الهيلكوبتر يمثلون كافة الفئات والطبقات، وأنهم رغم الاختلافات الثقافية والاجتماعية بينهم يشتركون فى شيء واحد، وهو المبالغة فى الحرص على الأبناء والتدخل فى كل صغيرة وكبيرة فى حياتهم بدافع حمايتهم من مخاطر الحياة والتجارب السيئة والتدخل السريع لإنقاذ الأبناء وحل مشاكلهم مهما بلغت درجة تفاهتها! 

ويرجع الكاتب أسباب ظهور الآباء الهيلكوبتر إلى أنهم لا يريدون أن يمر أطفالهم بوقت عصيب أو يعانوا مثلهم،لذلك لا يستطيعون منع أنفسهم من التدخل والاكتفاء بالمراقبة عن بعد لتقديم العون فى التوقيت المناسب، خاصة أنهم يعتقدون أن مهمة الوالدين هى حماية أطفالهما من كل التجارب والمشاعر السلبية.

وإذا كان المثل الشعبى المصرى يقول «خنفسة شافت بنتها على الحيط قالت دى لولية فى خيط»، فإن عالم الاجتماع«فرانك فريدي» يوظف ذات المعادلة ليشرح أسباب المبالغة فى رعاية وحماية الأبناء بقوله «إن الآباء يرون فى أبنائهم درا منثورا ويريدون لهم مستقبلا أفضل من الحياة التى عاشوها هم. وفى سبيل تحقيق ذلك يبالغون فى الاعتناء بهم ويحرصون أن يقدموا لهم الأفضل». وهنا يشير فريدى لحقيقة مهمة وهى أنه إذا كان من المقبول أن نحلم لأطفالنا بالأفضل وأن نمنحهم الحب والرعاية إلا أن الحماية والخوف المبالغ فيهما يؤديان إلى إفساد الطفل وتعرضه للضرر على المدى البعيد.. 

وتؤكد دراسات علم نفس الأطفال ما ذهب إليه فريدى،فالمبالغة فى الخوف على الصغار ومحاولة حمايتهم المستمرة والتدخل المباشر لحل مشاكلهم تؤدى لعدم نضج الشخصية وفقدان القدرة على التعامل مع الزملاء واكتشافهم طرق الحصول على ما يحتاجون إليه أو تحقيق أحلامهم والإحساس بالأمان فى العالم الخارجى.. ويؤكد علماء النفس أن الأطفال الذين عاشوا فى ظل قرارات سابقة التحضير- يتخذها أهل  يشعرون بالإنجاز كلما أعفوا صغارهم من مواجهة صعاب الحياة - يفقدون القدرة على حل مشكلة. فالحياة سلسلة من التحديات والقدرة على مواجهتها ليست موهبة فطرية بل مهارة تكتسب بالتجربة والخطأ والتفكير للوصول لأنسب الحلول.   

 

يضاف إلى ما سبق أن أطفال العائلات المروحية أو الهيلكوبتر الذين يعيشون تجربة الاعتماد الكامل على الوالدين الذين ينوبون عنهم فى كل شيء، بدءا من الواجبات المنزلية وصولا للواجبات الاجتماعية، يفقدون القدرة على المبادرة وروح المغامرة والتجربة وتخيل بدائل ونتائج أى ممارسة تفرضها الحياة اليومية، إذا علمته التجربة أنه إذا أراد شيئا، سيقوم والداه بتلبية رغبته! ولقد خلصت دراسة نُشرت فى مجلة «علم النفس التنموي» فى يونيو الماضى إلى أن «الأطفال الذين يعيشون فى ظل  آباء  يبالغون فى مخاوفهم وحماية صغارهم أقل قدرة على مواجهة الخروج للعالم الخارجى ولو كانت مجرد التعامل مع البيئة المدرسية».ويوضح المقال أن ظاهرة الآباء الهيلكوبتر تحبط حاجة الطفل النفسية الأساسية للاستقلال وإثبات الكفاءة. بل إن بعض المحللين النفسيين ذهبوا إلى حد الربط بين أزمات المراهقين  النفسية وبين ممارسات الآباء «الممزقين بالخوف»!

ويؤكد «فريدي» أن الأطفال الذين لا يضطرون قط للكفاح ويتعرضون للمخاطرة، نادراً ما يكتسبون فضائل المثابرة والدفاع عن النفس. ويضيف الباحث قائلا»إن الأطفال الذين يربيهم الأهالى «المروحيون» غالباً ما يفقدون القدرة على التفكير المستقل ويجدون صعوبة فى تكوين صداقات، ويزداد الأمر سوءًا بسبب عدم قدرتهم على مشاركة أقرانهم وحل النزاعات وإزالة سوء الفهم بينهم».

ورغم أن كم المتغيرات التى تتعرض لها كافة المجتمعات اليوم والمتمثلة فى تزايد وتيرة العنف والسلوكيات المرفوضة وسوء التربية هو ما يجبر الأهل على التحول لمروحيات للإنقاذ السريع  لأطفالهم وبالتالى يحق لنا التعاطف مع نيات الآباء الحسنة وإدراك كم الضغوط والمخاوف التى تدفعهم للإسراع بالتدخل لإنقاذ أطفالهم مما يعتبرونه مخاطر تهدد سلامتهم سواء على المستوى المادى أو النفسي، إلا أن حل المشكلة يتطلب قليلا من الروية والكثير من الفهم وإدراك أن استمرار هذه  الممارسات يؤدى لتحول الأبناء لكائنات هشة ضعيفة ويفسد حياتهم على المدى البعيد..وفى تقديرى المتواضع أننا فى سعينا لتربية صغارنا وتأمين حاضرهم ومستقبلهم يجب أن نتحلى بالصبر والثقة فى الله وبقدرات أطفالنا، وأن نتقبل حقيقة ارتكابهم للأخطاء وتعرضهم للمصاعب، مدركين أن التجربة خير وسيلة لتكوير الشخصية واكتساب مهارة حل المشكلات وأن ترك مساحة للصغار للتعامل مع مشاكلهم سيمكنهم بمرور الوقت من بناء آليات لمواجهة الحياة والتغلب على الخوف.

 وأخيرا، كم سيصبح العالم أفضل وأكثر أمنا لنا ولأبنائنا لو تعلمنا كيف نروض أشباح مخاوفنا ونتغلب على الكثير، الكثير من الخوف. 


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا