الصابون (8)
الصابون (8)
مشاهدات: 231
25 نوفمبر 2018

مضت عشرون دقيقة وها هي المربية «آنّا» تقف على رصيف المحطّة بينما قطار البلدة يتقدم. بخاره يتطاير مثل أشباح رمادية تتماوج تحت سقف المحطة. الحشد ينتظر الآن على الرصيف حتى يصعد إلى القطار. وكانت «آنّا» ترى أن القطار فارغ. يبدو أنه يبدأ رحلته من هنا. خلف زجاج النوافذ ليس من وجوه معتادة. لا وجوه تجاهد حتى يتعرف إليها أقرباؤها. لا أحد ينتظر أن ينزل أحدٌ من القطار. وفجأة تشاهدُ «آنّا» وجهي الطفلين التوءمين. تمامًا مثلما كانت قد رأتهما يومًا ما حينما استقبلتهما في قطار البلدة، حينما أُرسلا من المدرسة إلى البيت. كانا مُثارين، تشتعل وجناتهما بحُمرة التورد حينما أبصرا الجنود يصعدون إلى القطار. لم يكونا يريدان أن يتركا المحطة. كانا يريدان أن يذهبا إلى الحرب مع الجنود. لا بد من أنه كان اليوم الذي رأت فيه التوءمين: سارا وروث تذهبان. البنتان من القرية اللتان أصبحتا داكنتي البشرة. في غيابها صارتا اثنتين من النساء الهادئات. هما البنتان اللتان كانت والدتهما قد ماتت وقتئذ. هما البنتان اللتان اختفى أشقاؤهما. استدارت البنتان لتحملقا في «آنّا» لبرهة بينما كانتا تشقان طريقهما صوب قطار آخر، بلا مقصورات. قطار بضائع. كثير من هذه القطارات كانت أُرسلت للعمل في «ريتش». نظرت البنتان إلى «آنّا». الآن تيقنت من أنها تتذكر واحدة منهما. لكن أي واحدة؟ سارا؟ روث؟ رمت البنتُ ابتسامة خفيفة وودّت «آنّا» أن تردّ الابتسامة بمثلها لكن الولدين التوءمين كانا يجذبانها بعيدًا. لكن لا. كان ذلك منذ زمن بعيد، كان التوءمان أصغر عامين أو ثلاثة من الآن حين رأيا الجنود. «آنّا»، «آنّا»، صاح الولدان: «نريد أن نصبح جنديين»، وكانا يشدانها من ثوبها ويجذبان كميها بعنف. والآن هما في زيهما الرسمي وقد حققا أمنيتهما. فلماذا لم ترد الابتسامة؟ لماذا رأت الابتسامة وتجاهلتها؟ راحت تراقب الابتسامة وهي تخبو وتفتر فوق وجه الفتاة، بينما تشعر بوجهها هي بدأ في التيبّس والجمود. راح وجهها يتورد الآن خجلا. الآن حيث كل واحد فيما عداها كان في حال هروب. الآن حيث كل واحد في حال هروب، حيث الجميع يتركون المدينة ليلحقوا بالأطفال والعجائز. كانت تهمس بهذا لنفسها، تتمتم وصوتها ممتلئ بالازدراء والخجل. كانت تشعر بالخجل من نفسها ومن الآخرين. تمسح يدها الملطخة بالوسخ في معطفها. الوسخ الذي دنّس يدها من أثر سقوطها على الأرض وسط الأوساخ والوحل. «بالتأكيد ليس هذا ما حاربنا من أجله». كانت تفكر بهذا وتقول لنفسها. «لم نكافح كل هذا الكفاح طيلة حياتنا من أجل أن نرفع تنوراتنا ونهرب. لن يتم إرسالي بعيدًا هكذا مثل مجرمة، في قطار مزدحم. مكاني هو مع الدكتور، الذي أرسلني بعيدًا عنه. 

هي الآن خارج المحطة وكانت في طريقها إلى بيت الدكتور حينما شاهدت أضواءً تعلو وتقطع السماء. في أول الأمر فكرت أنها قنابلُ أو عصف انفجار ما. لكن هذا مستحيل. الأضواء كانت تأتي من ناحية القاعة الخرسانية، ثم تسطع في الأعلى في سماء المدينة. كان الضوء كما لو كان يقاوم القنابل. القنابل توقفت، وكانت تقريبًا مقتنعة، أن ثمة نوعًا من الموسيقى يمكن سماعه في الشوارع الصامتة في الجهة الأخرى. نوع الموسيقى الذي كانت تسمعه في ذلك المساء البعيد، حين كانت تنتظر سيدتها الراحلة بدثار الفرو. 

بدأت تشعر فجأة بالزهو، بينما أشعة الضوء تلمع عاليًا في سماء مدينتها. مدينتها التي عاشت فيها أربعين عامًا كاملة. وراحت تفكر مع نفسها: أجل، هذا هو ما ستفعله. سوف تذهب إلى القاعة الكبرى وتنتظرهم في الخارج، تمامًا كما فعلت ذلك مرة من قبل. وقت لم يكن هناك حربٌ، وكان طائرهم الصغير مازال حيًّا. الدكتور سوف يتذكر ذلك المساء ويسامحها. تدخل عنوةً داخل الحشد. وكانت ساقاها تحتك كل منهما بالأخرى حتى التهب الجلد. كانت تكافحُ كي تصلَ إلى قاعة الكونشرتو الموسيقي.

 

 (البقية الأسبوع المقبل)


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا