توترات تكنولوجية (5)
توترات تكنولوجية (5)
مشاهدات: 210
25 نوفمبر 2018

فيما كنت اقرأ نتائج الدراسة التى صدرت عن ظهور جامعة فلوريدا وجاءت نتائجها  لتثبت أن ما نقرأه يؤثر فى كيفية كتابتنا وأن المحتوى المعروض عبر الإنترنت، الذى يميل نحو بناء بسيط واستخدام التصحيح الآلى وبرامج معالجة الكلمات أدى لتراجع مهارات الكتابة، تذكرت أننى فى بداية عهدى بالعمل فى الصحافة أهملت تدريجيا كتابة الهمزات على الألف لأن آلات صك الحروف آنذاك لم يكن فيها إمكانية وضع الهمزة على ألف، وبالتالى كانت تظهر دائما عارية من همزات، يضيفها عقل القارئ ليتمكن من قراءة النص بصورة سليمة. وأننى عندما استخدمت الكمبيوتر الحافل بالهمزات وعلامات التشكيل المختلفة، جاهدت لاستعادة مهارات الترقيم التى فقدتها أو بالأحرى توارت فى ثنايا العقل، مواكبة لإمكانات أجهزة جمع وصف الحروف فى مطابع صحفنا ألكبري. تداعت للذاكرة صور لأوراق سودتها خطوط أنيقة مقروءة قطع تسلسلها صفحات لطختها كلمات مكتوبة بخط أشبه «بنبش الفراخ!»، ووسط وسبابة وإبهام لأبناء لا يحسنون استخدام قلم ولا ريشة، بعد أن تحولت حصة الخط فى مدارسنا لأثر بعد عين واستمرءوا هم استخدام الأزرار ولمس الشاشات!

ولكن.. ترى هل ما استعرضناه على مدار شهر كامل فى هذه السلسلة هو دعوة للتخلى عن الحواسب الشخصية أو الهواتف المحمولة؟! الإجابة بالنفى قطعا، فخدمات وإنجازات التكنولوجيا لا يمكن لمنصف أن ينكرها، فالتطور شرقا وغربا جعل من أجهزة الكمبيوتر أداة لتسهيل الحياة، ولكن لأن على حد تعبيرنا المصرى الدارج «الحلو ما يكملش»، فإن التكنولوجيا التى يسرت الحياة لأبناء الدول المتقدمة والتى ننقل اليوم فى بلادنا بعض قشورها، تحمل فى طياتها سلبيات تؤثر فى قدرات البشر، وبالتالى فإن الحصول على معلومات حول التعامل مع التكنولوجيا وتأثيراتها بطريقة ذكية يمكن أن يساعد على كيفية استخدامنا للتكنولوجيا بطريقة أكثر إيجابية.

تقول الباحثة مؤلفة كتاب «هل يمكن أن يحدث هذا؟» الكاتبة «جولى رونستروم» فى سياق عرضها لتجربتها مع طلابها إنهم لا يستطيعون تجنب استخدام الكمبيوتر والهواتف المحمولة لتصفح الويب فى الفصل، ومع ذلك فهم لا يختارون الورق والأقلام لتدوين محاضراتهم! وتضيف قائلة «من العبث محاولة إقناعهم بأن يبتعدوا عن أجهزتهم أو الرجوع إلى البريد العادى أو استخدام مكتبة حقيقية والاعتماد كلية على الكتب الورقية، ولكن البديل المنطقى المطروح أن نعلمهم كيفية استخدام التكنولوجيا بطريقة أكثر إيجابية. خلال الحلقات الدراسية عن الإنترنت، الكتابة باستخدام إمكانات الروبوتات نتحدث عن كيفية استهلاكنا للتكنولوجيا. يكتب الطلاب أوراقا عن إدمان الإنترنت، وعواقب استخدام الهواتف الذكية، وأطالبهم  بإجراء دراسات بين زملائهم عن إدمان التكنولوجيا، وعندما نتحدث عن البطالة البشرية بسبب التكنولوجيا، يصرون بشدة على أن البشر أفضل من الآلات، لكنهم يعربون عن قلقهم بشأن الحصول على وظائف بعد أن حلت الأجهزة مكان البشر فى عديد من الوظائف. عندها أطلب منهم التفكير فى تفرد البشر وإذا ما كان الكمبيوتر يمكن أن يكون بديلا للعقل البشري». وتستطرد قائلة «هناك فوائد واضحة لاستخدام التكنولوجيا ووسائل الإعلام الاجتماعية كأدوات، وأحاول تعليم طلابى كيفية استخدامها بشكل مناسب. إنهم جميعًا مطالبون بإنشاء حسابات على تويتر ومتابعة المطبوعات وإسهامات الباحثين والمؤسسات ودوائر الجامعات فى المجال الذى يبحثون عنه. نحن نغرد الأطروحة والبيانات والأسئلة البحثية لبعضنا لأدربهم على الإيجاز والوضوح. أعلمهم كيفية استخدام ويكيبيديا للبحث التمهيدي، والمصطلحات الأساسية، والمواضيع التى تمت مناقشتها والمصادر الأساسية وكيفية التأكد من المصادر الفرعية، ونبحث عن مجموعات فى فيسبوك ذات صلة بموضوعاتنا». 

وتؤكد عالمة الإنثروبولوجيا امبر كيس ما طرحته رونستروم بقولها «بالنسبة للجيل الذى نشأ على الإنترنت لا معنى لتجاهلهم أو محاولة إبعادهم عن استخدام هذه المواقع، فهم سيستخدمونها على أى حال، لذلك فمن الأفضل أن يتعلموا كيفية القيام بذلك بطريقة مسئولة ومنتجة. وتوضح عالمة الإنثروبولوجيا امبر كيس فى كتابها «التكنولوجيا الهادئة» إنه عادة ما يتم تشبيه من لا يتعاملون مع التكنولوجيا بسجناء مقيدين بجدار فى أحد الكهوف المظلمة الذين لا يرون سوى ظلال ما يحدث حولهم، لأنهم لا يستطيعون أن يديروا رؤوسهم لينظروا للعالم بصورة مباشرة، وأن من يستخدم التكنولوجيا أشبه بسجين يتم إطلاق سراحه. وعندما يكتشف العالم الخارجى ويعود إلى كهفه ليشارك رفاقه متعة اكتشافه، لا يستطيع السجناء التعرف عليه أو فهمه، فقد جرت العادة أن نعتبر من يقبعون داخل الكهف أناسًا ليس لديهم تكنولوجيا، أناس عالقون فى العصور المظلمة. ويمثل أحد السجناء المحررين الطريقة التى تفتح بها التكنولوجيا عالمًا آخر. ولكن هذا التشبيه يمكن أن ينطبق بشكل آخر على من هم مقيدون فى الكهف، أولئك الذين يلعبون ألعاب الفيديو طوال اليوم، والذين يرسلون 100 رسالة نصية فى اليوم، تكون حياتهم الافتراضية أكثر واقعية من حياتهم الفعلية. وبالتالى ربما هم من يحاصرهم الظلام، فى حين أن الذين يستطيعون وضع أجهزتهم والسير فى الشمس هم الأشخاص المستنيرون. وهنا تطرح «كيس» مفهوما جديدا للتعامل مع التكنولوجيا بحيث لا تكون هى بؤرة التركيز ولكن جزءا من محيط كامل متعدد يتيح للإنسان أن يعيش حياته.

وبغض النظر عما إذا كانت التكنولوجيا تثبت فى نهاية المطاف أنها قوة للتقدم أو للنقل أو للتواصل أو العزلة أو للمعرفة أو حتى لغسيل المخ، فإن الحصول على معلومات حول التكنولوجيا وتأثيراتها يمكن أن يساعدنا على التعامل معها بشكل أكثر ذكاءً والاستفادة بخيرها ودرء شرها، كى لا تفسد حياتنا وتدمر قدراتنا العقلية.. وأخيرا ليتنا جميعا نتذكر أن «خير الأمور الوسط».


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا