الصابون (5)
الصابون (5)
مشاهدات: 693
1 نوفمبر 2018

بعد قليل، صعدت «آنّا» الدَّرج. وكانت «صوفي» تقف أمام المرآة في ملابسها الداخلية، نحيلةً وبيضاءَ مثل فتيل مُغطّى بالشمع. شعرها الناعم معقوصٌ للأعلى حتى يكشف عن عنقها ونحرها. لم تستدر حين دخلت «آنّا» الغرفة. فقط راحت تنظر إلى انعكاس صورتها على المرآة. ورأت «آنّا» عينيها تضيقان ويدها تصعد إلى حيث مؤخرة عنقها لكي ترفع بعض الخصلات المنسدلة من شعرها. «إنه يرسلك بعيدًا يا آنّا»، قالت صوفي. أومأت «آنّا» ببطء بالموافقة، وقالت: «نعم، عليّ الآن أن أجهز أغراضكم جميعًا». قالت صوفي، وهي تضحك ضحكةً خفيفة مريرة: «أوه، لستُ قلقة بشأن ذلك. لن نحتاج إلى الكثير من الأغراض. وأعتقد أن كل شيء قد تم إعداده».

تشعر «آنّا» بشعور الصخر من جديد حين تسمع ذلك. وجهها يتحجر بالشك وتلحظُ أن صوفي تراقبها في المرآة، فتجفل. ثمّة تعبيرٌ متسائل وكأنما انتبهت الآن فقط إلى أن «آنّا» تقف إلى جوارها، وتُنصت في اهتمام. تدور دورة مباغتة وقبل أن تتمكن «آنّا» من أن تلتقط أنفاسها تجد ذراعي المرأة الأصغر سنًّا تحيطان بها. البشرة البيضاء الرقيقة المعطّرة بشذى بودرة التجميل على وجنتيها. تعانق الفتاة الآن فيتملكها هاجس إنذار. إنها حاسة القرويين، التي يتكلم عنها الدكتور دائمًا. تهمسُ صوفي  في أذنها. ولم تستطع أن تتبين ما تقوله في البدء، غير أنها توردت خجلاً بمجرد أن سمعت الكلمات التي استخدمتها لتهمس للفتاة التي تصغرها بعقد من الزمان، من أجل أن ترسلها للنوم. كلمات مكررة وسخيفة. تتذكر أن أمها كانت تستخدمها معها كذلك. تدفعها برفق بعيدًا، وجنتاها ساخنتان بالمشاعر.

«أظنُّ أنك لست جاهزة يا صوفي»، تقول آنّا. «انظري إلى نفسك، مازلتِ في التنورة الداخلية. هناك حفل موسيقي عليك الذهاب إليه، ووجبة غداء تنتظرك على المائدة». لكن صوفي تغير ملامح وجهها وتقول: «لست جائعة»، فتنتاب «آنّا» رجفة انزعاج، مثل تيار هواء مفاجئ. ثم تقول: «هذا الصباح كان هناك بشر يتعاركون في السوق من أجل الطعام. لقد رأيتهم بعيني. نساء في مثل عمري، أو أكبر حتى. ولسن خادمات أيضًا. قد يكنَّ عماتك أو خالاتك. وها أنت تلوين أنفك وتحتقرين وجبة الغداء! اثنتان منهن كانتا تتعاركان فوق ثمرة كرنب. وفي الأخير راحتا تبكيان مثل الأطفال»، فتجيبُ صوفي بابتسامة مفاجئة: «مثلما اعتاد التوءمان أن يفعلا حين لا يستطيعان أن يحصلا على ما يريدان. هل تذكرين؟ على السجق أحيانًا أو على شريحة من كعكة الحبوب». والآن  لا تستطيع «آنّا» أن تقاومها. تلامس خصرَ الفتاة، ثم تداعب الفستان المطروح فوق السرير، وتقول: «إنه لون ممتاز عليك. أبيضُ في مقابل شحوبك، وشعرك الداكن الجميل»، ثم تهمس: «سوف تبدين فاتنة للغاية.. مثل عروس».

كانت على وشك أن تستدعيهم جميعًا للغداء حينما نادى عليها الدكتور لتذهب إلى غرفة المكتبة. كان يقيس أقراص دواء بيضاء صغيرة أخرجها من جراب كبير من الجلد، ويضعها في قوارير لم ترها من قبل. قوارير معدنية مثل تلك التي في المستشفيات. كانت تغلق الباب وراءها حين بدأ دفع الجراب داخل درج المكتب ثم راح يفتح درجًا آخر. كانت أصابعه تبحث بين المفاتيح. هي صبورة، لكنها أيضًا فاترة معه. وهو يعرفها بالقدر الكافي ليوقن بأنها لم تغفر له بعد قراره برحيلها المفاجئ. وصوفي جعلتها تشك. كان مزاجها الغضوب على مستوى قدر كلماتها القليلة. يجب ألا تُرسَل بعيدًا إلى الريف قبلهم. خصوصًا قبل الطفلين التوءمين. جسدها كان يتكلم بالرفض. كتفاها المثقلتان بالجهد والتعب تتكلمان بالرفض. وكذلك عنقها الموجوع. مكانها هنا في هذا البيت، وليس في أي مكان آخر.

(البقية الأسبوع المقبل)


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا