توترات تكنولوجية (2)
توترات تكنولوجية (2)
مشاهدات: 651
1 نوفمبر 2018

المعلمون حائرون يفكرون.. يتساءلون، ولكن بالطبع ليس بجنون رفاق عبد الحليم حافظ الذين أرادوا معرفة حبيبته من تكون! فتفكير وحيرة المدرسين والقائمين على النظم التعليمية فى بلاد الله تدور حول مدى مشروعية قرار حظر استخدام الطلبة للهواتف المحمولة فى قاعات الدرس، وربما فى الحرم التعليمى كله، بعد أن أثبتت الأبحاث تأثيره السلبى فى تركيز انتباه الطلاب.

وفى الأسبوع الماضى استعرضنا عددا من الأبحاث العلمية وشهادات المعلمين الذين عايشوا مشكلة انشغال الطلبة بهواتفهم وحواسبهم المحمولة عما يدور فى قاعة الدرس، والتداعيات السلبية لإدمان الحملقة فى شاشات يتغير محتواها بلمسة إصبع. واليوم نستعرض المزيد من جوانب المشكلة وكيفية تحويل بلاء التطبيقات التكنولوجية الحديثة لوسيلة تسهم فى تلقى المعرفة التى باتت تتفوق وتعتبر عاملا اقتصاديا أكثر أهمية، يدر دخلا يوازي، إن لم يتفوق على البترول. 

تقول مؤلفة كتاب «هل يمكن أن يحدث هذا؟» الكاتبة جولى رونستروم، أستاذة فن الكتابة بجامعة بوسطن: «نظريا من المفترض أن الطالب يصطحب معه الهاتف والحاسب الشخصى لقاعة الدرس لكى يدون ملاحظاته أو يحفظ سجلا حيا للمناقشات أو لالتقاط صور سريعة لعرض الشرائح المرئية ((slide  أو لاستخدام محركات البحث على الإنترنت، أو للتواصل فيما بعد مع المحاضر سواء لطرح الأسئلة أو تنظيم المحاضرات أو إرسال الأوراق البحثية بدلا من تسليمها بالطريقة التقليدية يدا بيد. لكن الحقيقة أن ما يحدث خلاف ذلك فالطلبة عادة ينشغلون بأشياء لا علاقة لها بالمحاضرة، بل إن الطلبة الذين يدونون ملاحظاتهم على أجهزة الكمبيوتر المحمول الخاصة بهم يفقدون قدرا من تركيزهم، وبالتالى يفوتوهم الكثير. وتروى رونستروم تجربتها عندما صورت المادة ورفعتها على الموقع وسمحت للطلاب بفتح حواسبهم الخاصة أثناء المحاضرة للقراءة والمناقشة فتقول: «فى محاولة لإنقاذ طلابى وضمان استفادتهم من الكورس الباهظ التكلفة كان على أن أسمح للطلاب بفتح أجهزة الكمبيوتر المحمولة الخاصة بهم أثناء المناقشات، ولم أتوقع أن يتم استخدام الحاسب الشخصى فى أمور لا تتعلق بالمحاضرة، فطلابى راشدون ويستطيع بعضهم التفرقة بين الوقت المناسب للتركيز فى العمل وبين التسوق من على مواقع الإنترنت أو متابعة أخبار المشاهير، من لا يفعل ذلك أو يستطع مقاومة التصفح على الإنترنت عليه تحمل العواقب. لكنى لاحظت أن عملى بات أكثر صعوبة، فمشاركة الطلبة فى المناقشة أو طرح الأسئلة أو وضع تعليقات توضيحية أو إعادة قراءة النص باتت أقل، وكثيرا ما يتوقفون عن المتابعة بحثا عن صفحات أخرى. وحتى فى حالة البحث عن معلومات تتعلق بموضوع المحاضرة يلتقطون اقتباسات غامضة لاستخدامها دون تدقيق أو فهم فى واجباتهم أو أوراقهم البحثية».

وتنقل الكاتبة صورة حية لحواراتها مع طلابها تؤكد مشكلة سوء استخدام التقنيات التكنولوجية وتأثيره فى درجة الاستيعاب والمتابعة فتروى الواقعة الآتية:

الطالب: «ليس لدى أى فكرة عما يحدث».

رونستروم: «ماذا تقصد، أى فكرة؟ توضح ورقة العمل التى وصلت إليك كغيرك من الطلبة المطلوب منك، ولقد راجعناها فى المحاضرة، قد قرأنا مقالات عن موضوع الورقة البحثية والمادة ككل، ما الذى لا تفهمه بالضبط؟»

الطالب: «لا أعرف.. كل شيء»!

وهنا لا بد لى من التدخل، فلو أن أى طالب فى هذه المنطقة من العالم واتته الجرأة أساسا على السؤال والاستيضاح، ولا أقول الاعتراف بأنه لا يفهم، سيكون رد فعل المعلم فى معظم الحالات الزجر غضبا وربما ينتهى الأمر باتهام الطالب بالغباء. لكن ما علينا، فحيث إن السيدة رونستروم تعمل فى منظومة تتيح للطالب تقييم معلمه مثلما يقيمه الأخير من خلال تصحيح الاختبارات والأبحاث، فقد توقفت أمام ما قاله الطالب وحاولت تفسير المشكلة. فتقول «لا يمكن تفسير الأمر بإرجاعه لعوامل شخصية تخص الطالب أو لأسباب أكاديمية تتعلق بقدرات المعلم على الشرح والتوضيح، فرغم أهمية العاملين فإن قصر الأمر عليهما يعد اختزالا وتبسيطا مخلا. فالأمر لا يتعلق فقط بمشاكل فى جذب الانتباه أو تشتيت انتباههم عبر هواتفهم أو أجهزة الكمبيوتر المحمول فى الفصل الدراسي، فالمشكلة هى طريقة استخدامهم التكنولوجيا بشكل عام وإيمانهم المطلق بها، الذى يجعلهم لا يتحملون تعطيلها أو تجاهلها، مما يؤدى إلى عدم التركيز وتشتت الذهن اللذين تحولا لشبه وباء!.

ولقد أثبتت أكثر من دراسة أن إحدى أخطر المشاكل التى يواجهها الطلبة -والتى اعترفوا بها هم شخصيا- هى عدم القدرة على إدارة الوقت والحفاظ على تركيزهم والمماطلة وعدم الالتزام بالمواعيد والبقاء مستيقظين طوال الليل أمام شاشات هواتفهم والكمبيوتر وعدم التركيز والتدقيق عند القراءة. 

ويرجع بعض الباحثين المشكلة إلى أن الإنسان المعاصر يتصور أنه يمكنه القيام بأكثر من عمل فى آن واحد بالدقة والتركيز نفسه، مثلما يفتح على شاشة حاسبه أكثر من صفحة فى اللحظة نفسها. ولكن هل يمكن أن يعمل ذهن الإنسان بالطريقة نفسها، وهل يمكن برمجة عقول الطلبة للتركيز فى أكثر من عمل فى وقت واحد؟!  هذا ما سنحاول معرفته الأسبوع المقبل بإذن الله.


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا