يأس "محفوظ" وإرادة "معاذ"
يأس محفوظ وإرادة معاذ
مشاهدات: 2289
19 أغسطس 2018

خدعوك فقالوا إن الفقر سبب سوء الأخلاق، خدعوك حينما اعتبروا أن التفكك الأسرى مبرر لأن يسلك البعض مسلك الإجرام، خدعوك حين بثوا فيك روح اليأس من شباب هذا الزمان والخير فيهم موجود طالما سطعت شمس على وجه الأرض.

إذا لم تصدقنى فعليك أن تتعرف على قصة معاذ، هذا الولد الذى أطلق العنان لأحلامه ورفض الاستكانة والاستسلام للممكن وفضل أن يسير وراء المستحيل، كان من «الممكن» أن يكون طالبا كآلاف الطلاب بالمدارس الحكومية الذين يصلون إلى مراحلها الثانوية دون أن يجيدوا مجرد القراءة والكتابة أو أن يكبر دماغه ويعمل كمنادى سيارات أو صبى ميكانيكى أو ديلفرى، وكان من الممكن أيضا أن يسقط فى دائرة أعمال الإجرام التى يسقط فيها كثيرون من الذين مروا بظروفه ولكنه كما ذكرت فضل اختيار المستحيل وهو أن يصبح فنانا برغم كل الظروف الصعبة التى يحياها وأن يجعل من فنه مصدر دخله، معاذ ذكرنى برسامي شارع المونمنتر الفرنسى أو رسامى إيطاليا الذين يتعامل معهم المجتمع هناك بكل احترام وتقدير، كما أنهم يتقاضون مقابلا ماديا مناسبا يتراوح بين مئة وخمسين يورو على أى اسكتش أو بورتريه يرسمونه لمن يريد من المارة.

ويختلف معاذ عن هؤلاء فى أمرين الأول هو صغر سنه فهو لم يتعد العاشرة والثانى فى تعامل المجتمع معه فللأسف بعض حملات الشرطة تطارده كما تطارد أطفال الشوارع بدلا من تشجيعه على امتهانه لمهنة شريفة..

معاذ يعيش هو وإخوته مع جدته بعد طلاق والديه وزواج كل منهما من آخر وبعد مرض الجدة فكر فى العمل كرسام بورتريه بجانب جامعة القاهرة استغلالا لموهبة الرسم لديه، ورغم ذلك فإن حلمه بأن يتعلم لايزال يراود خياله وشكواه أن مدرسته كحال عشرات المدارس فى مصر التى لا تدرس شيئا للطلبة وهو كان يتمنى أن يتعلم حقا وأن ينمى موهبته الفنية بالتعليم.

وعندما زارنى معاذ فى مكتبى انبهر كل من التقى به بشخصيته الناضجة، فالذكاء الشديد وسرعة البديهة يطلان من عينيه، معاذ أخبرني عن أمنيتين يحلم بهما الأولى أن يلتقى رئيس الجمهورية ليعطيه البورتريه الذى قام برسمه له، والثانية أن يعود للدراسة فى مدرسة تجريبية، ولما كان الطلب الأول ليس من السهل تحقيقه (وإن لم يكن مستحيلا بالطبع) ولكنى بدأت بطلبه الثانى واتصلت بالدكتورة عزة العشماوى رئيسة المجلس القومى للطفولة والأمومة والتى اطلعت على الموضوع المنشور بالمجلة وطلبت لقاء الطفل وقررت تكفل المجلس بكافة إجراءات ومصروفات إعادته للتعليم ومنحته الفرصة لاختيار المدرسة التى يريد الالتحاق بها.. وهو السلوك المتوقع من مسئولة معنية بقضايا وهموم الطفل فى مصر كالدكتورة عزة، مصر بها آلاف الأطفال مثل معاذ تهددهم الظروف الصعبة رغم أنهم يمتلكون مواهب عديدة وذكاء خارقا وهم يحتاجون لمن يمد يده إليهم وعلى المجتمع أن يختار هل يريد الأطفال بقسوة ويأس محفوظ (طفل بورسعيد) أم بطموح وإرادة معاذ.

نور الكلمات:

«فاقد الإرادة هو أشقى البشر». أرسطو


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا