هو أحسن فيلم.. ولو كره الكارهون
هو أحسن فيلم.. ولو كره الكارهون
مشاهدات: 630
19 أغسطس 2018

فاجأتنى الفتاتان الصحفيتان اللتان جاءتانى إلى مكتبى لتقديم التحقيقات الصحفية التى طلبتها منهما.. بتحقيق خاص عن بنات الأحياء الشعبية ونصفهن يحملن اسم فاطمة.. وهو اسم بطلة فيلم العزيمة الذى وصفه النقاد فى العالم كله بأنه «أحسن فيلم مصرى على الإطلاق».. وقالتا لي: تصور لا واحدة تذكر فاطمة رشدى بطلة فيلم «العزيمة» ولا يعرفنها.. بل ولا يعرفن أيضا بطل الفيلم حسين صدقى ودهشن جدًا عندما علمن أن العزيمة هذا هو أحسن فيلم مصرى على الإطلاق..

وقلن لنا: أحسن فى إيه بس؟

وطلبن شريطا له ليشاهدنه برضاهن!

ولكن لماذا أصبح فيلم «العزيمة» أعظم الأفلام المصرية على الإطلاق؟

لنترك الجواب هنا للناقد السينمائى سعد الدين توفيق:

- أبرز ما فى فيلم «العزيمة» هو الجو المحلى الذى ظهر بصورة واقعية لافتة للنظر، فأنت تعيش مع هذا الفيلم فى حارة حقيقية.. حارة تجدها فى أى حى شعبى فى بلادنا، واهتم كمال سليم بخلفية الصورة اهتماما كبيرًا. ومن هنا جاءت مشاهد الحارة نابضة بالحياة، فعندما يسير الأسطى حنفى مثلا من بيته إلى دكان الحلاقة الذى يملكه تلمح طوال الوقت أن الحركة فى الحارة نشيطة، فهناك مثلا بائع الفول يقف بعربته وحوله زبائن يحملون سلاطين، وترى الجزار يقطع اللحم لزبائنه ويناقشهم فى طلباتهم. ونلاحظ أن الأطفال يلعبون فى جماعات، وتجد الأم التى تطل من نافذة بيتها لتنادى الباعة أو تدعو أطفالها للذهاب إلى البيت، وتجد صبى الفران يحمل على رأسه ألواح الخبز، وبائع اللبن والزبادى ينتقل من بيت إلى بيت، والحنطور يتهادى فى الحارة، كل هذا يجرى فى خلفية الصورة بينما يستمر الأسطى حنفى فى طريقه إلى دكانه.

فالحارة عند كمال سليم ليست مجرد ديكور، إنما هو يملأ خلفية الصورة ليُقدم لك روح الحارة وجوهًا والشخصيات التى تعيش فيها.

- إلى جانب هذا التصوير الدقيق للحياة فى الحى الشعبى، فقد تضمن فيلم «العزيمة» نقدًا لبعض عيوب مجتمعنا، فمثلا انتهز فرصة المشاهد التى تجرى فى مكاتب شركة المقاولات التى عين فيها محمد حنفى موظفا ورسم لوحات نقدية بديعة للموظفين، فنحن نرى فى غرفة واحدة كبيرة مجموعة من الموظفين الذين ينصرفون عن العمل إلى الدردشة وقراءة الصحف!

- نلاحظ أيضا فى مشهد «المولد» فى الحارة أن كمال سليم نقل إلى الشاشة لوحة فنية بديعة عن الحياة فى الاحتفال بالمولد فى بلادنا.. الزينة.. باعة الحلوى.. الزحام.. الألعاب التى تُقام فى ساحة المولد مثل لعبة الكبسولة وفيها يدفع اللاعب قطعاً من الحديد على قضيب الحديد بقوة شديدة، ولاعبو السيرك الذين يستعرضون عضلاتهم، وجو المرح والبهجة الذى يسود الاحتفال كله! ويصور الفيلم أيضا أزمة المتعطلين، ألوفا من الشباب المتعلمين يبحثون عن عمل ولكنهم لا يجدون وظائف، وفى لقطات متتابعة يقدم كمال سليم قصاصات من الصحف توضّح هذه الأزمة ومنها خبر رئيسى بإحدى الصحف جاء فيه «600 جامعى يتقدمون لوظيفة فراش!».. يُلقى الفيلم أيضا الضوء على عيب من عيوب مجتمعنا وقتذاك، وهو أن العائلات لا تزوّج بنات إلا لموظفين، فالموظف مضمون لأن له مرتبا ثابتا يتقاضاه فى أول كل شهر، أما العمل الحر فليس مضمونا، وكانت هذه هى نظرة المجتمع فى الثلاثينيات إلى «الوظيفة».

* * *

ونلاحظ هنا أن فاطمة كانت تحب محمد وتتمنى أن تتزوجه لأنه أفندى وموظف، فلما فُصل من عمله واضطر إلى أن يعمل فى متجر يلف فيه سلع الزبائن، واكتشفت فاطمة هذه الحقيقة صعقت لأنه ليس موظفا، فتنكرت له ورفضت أن تظل زوجة له!

- وضع كمال سليم أصبعه على عيب آخر من عيوب مجتمعنا، وهو أن البنت المصرية لا تختار شريك حياتها، بل أكثر من هذا أنه ليست لها كلمة فى هذا الأمر لأن أسرتها هى التى تختار لها العريس وليس للبنت إلا أن توافق مرغمة، وصوّر فيلم «العزيمة» أيضا حياة الشبان الأثرياء العاطلين بالوراثة الذين يعتبرون العمل عيبا، فنحن نرى أن عدلى ابن نزيه باشا يقضى أيامه ـ بعد أن فشل فى دراسته ـ فى صحبة مجموعة من العاطلين يسهرون ويسخرون من أمثال محمد حنفى الذى يعمل لأنه فقير.

- قدم لنا «العزيمة» أيضا عيبا آخر من عيوب مجتمعنا وهو «الواسطة» فالشاب لا يستطيع أن يحصل على وظيفة إلا إذا كان يحمل بطاقة توصية من أحد الوزراء أو الموظفين الكبار أو الأغنياء.. ففى لقطة نرى محمد يتقدم من مكتب سكرتير المدير «أحمد شكرى» ليقدم طلبا لوظيفة فى الشركة، ويلطعه السكرتير أمامه ويستمر فى دردشة مع صديق له، فلما يكرر محمد سؤاله عن وظيفة خالية يرفع السكرتير رأسه إليه فى ضيق وتبرم شديدين ويبلغه فى لهجة قاسية بأنه لا توجد وظائف خالية ويؤنبه على تعطيله عن عمله!

* * *

وفى لقطة تالية نرى محمد وقد ذهب إلى السكرتير نفسه، ويطلب منه فى أدب جم أن يقابل المدير، ولكن السكرتير يخاطبه مرة ثانية بلهجة قاسية «قلنا مافيش وظايف خالية عندنا أنتم إيه؟ مابتفهموش عربى؟ يا ناس ارحمونا بأه!»

وعندئذ يقدم إليه محمد بطاقة تحمل اسم نزيه باشا يوصى فيه صديقه المدير بإلحاق محمد بوظيفة فى الشركة، وهنا يتغير سلوك السكرتير تماما، فنراه يضع طربوشه على رأسه، ويتحدث إلى محمد بطريقة لطيفة معاتباً إياه قائلا: مش كنت تقول كده من الأول؟

ويدخل إلى مكتب المدير ويتم تعيين محمد لأن عنده واسطة.

■ ■ ملحوظة من عندى: حتى الواسطة كانت تعيش فى الفكر الوظيفى المصرى البيروقراطى قبل أكثر من نصف قـرن ـ كما قلت فى كتابى «100 سـنة سينما» وأن أبناء البطـة السـوداء كـانوا مـنذ القـدم ومـازالوا لا عـلى البال ولا عـلى الخاطر عـندما تقدم فى عام 1938 نحو 600 جامعى لوظيفة فراش!

التاريخ أيها السادة يكرر نفسه واللا إيه؟!

* * *

كلمات عاشت:

«لا شىء يبقى.. حتى الذكرى الطيبة نفسها تضيع وسط الزحام!». د. مصطفى محمود


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا