عمر طاهر يكتب: نساء فى حياتى "ثناء وسناء"
عمر طاهر يكتب: نساء فى حياتى ثناء وسناء

(1)

ما بين «ثناء» بمعنى «شكر»، و«سناء» بمعنى « نور» كانت حياتى تتشكل على كل المستويات، الإنسانية والمهنية، بين « ثناء عمر» أمى التى صارت بالوقت أستاذتى، و»سناء البيسى» أستاذتى التى صارت بالوقت أمى.

(2)

كانت أمى تحلم أن أكون «طبيبا» وأهدرت حلمها بكل استهتار، الطالب المتفوق الذى تاه عند مفترق الطرق، كانت الثانوية العامة مواكبة للحظة التدهور الذهنى والمزاجى الذى يصيب المراهقين، كانت ثقة أمى فى قدرتى على أن أتجاوزها عظيمة، لكننى خذلتها، وكنت أغلق على نفسى باب غرفتى والاسم « ب أذاكر» ولكننى كنت أتنقل طوال الليل بين محطات الراديو مخلصا فى الإنصات لأم كلثوم وبقية رفاق جيلها أو فى مطالعة الكتب والمجلات المخبأة أسفل مرتبة السرير، وكانت نتيجة آخر العام صدمة قاسية شاهدت أمى وهى ترقد على أثرها فى فراش المرض تبكى بالأيام معتقدة أن ابنها الوحيد قد ضاع، لم أرسب ولكننى خرجت بمجموع يؤهلنى للالتحاق بنادى حملة الشهادات الرسمية التى يتم تعليقها فى الصالونات.

كنت آية فى البرود، لم أحزن أو أتأثر، لم أكن أعرف ما الذى أريد أن أكونه، تهربت من اختبارات الالتحاق بالكليات العسكرية، ويوم الكشف الطبى زوغت وكنت فى الوقت نفسه فى السينما أشاهد أحد أفلام يوسف شاهين الجديدة.

أضع نفسى اليوم مكان أمى، ما الذى يمكن أن أعمله لإنقاذ ابن فقد الشغف وبلا بوصلة ولا طموح من أى نوع يشغله ولا يقلقه أى شعور بالذنب، بخلاف أنه لا يتكلم أصلا ولا يغادر غرفته إلا للشجار مع بقية أفراد العائلة.

كانت خطة أمى ذكية للغاية، ومليئة بقدر من الشجاعة أحسدها عليه، تغاضت عن فكرة الدراسة والكليات واختارت من كل طرق التفكير فى المستقبل خطة وحيدة قائمة على بناء الإنسان، كان لابد من تغيير الماء الذى يجرى فى حياة هذا الصبى، تغيير أقوى من دروس التربية المنزلية والمراجعات الأبوية، كانت تفكر فى الخطة القديمة التى يعلم بها الآباء أبناءهم العوم وهى خطة بسيطة تقوم على فكرة « إرميه فى البحر».

دفعتنى أمى إلى بحر العاصمة، فى القاهرة سأعيد اكتشاف نفسى، هكذا كانت تفكر، وكانت معركتها الأساسية مع أبى، لن نخسر شيئا، دعه يتحرك ويقع ويتعلم ثم يقف على قدميه ولا بأس إن وقع ثانية، فليخرج من ترف العائلة والمدينة الهادئة والمحبة المجانية التى تحيط به كابن وحيد و أكبر الأحفاد، دعه يتنقل بين شظف العيش فى المدن الجامعية، والمواصلات العامة، وشبح الفلس، وطعام الشوارع، دعه يواجه الخطر بمفرده، يحل مشاكله بنفسه، يعمل فى الإجازة الصيفية، جرب ولا تخجل، فى إجازة السنة الأولى عملت مندوب مبيعات ألعاب أطفال، لا بأس، فى إجازة السنة الثانية لم أجد مكانا أقيم فيه سوى شقة أحد الأقارب على المحارة فى أعماق شبرا الخيمة، هايل، فى السنة الثالثة كانت الحاجة ملحة لتطوير مهارات قد احتاجها مستقبلا، كورسات اللغة والكمبيوتر، طيب أنا لا أنجح فى كلية التجارة بتقديرات مشرفة، لا يهم .. هل زرت معرض الكتاب؟، هل جربت السفر مع أصدقائك؟، عثرت على تدريب فى أحد البنوك الكبيرة، ممتاز، لا أحب عمل البنوك ..لا يهم ، انتهت الدراسة هل أعود إلى الصعيد؟ ..لا لديك عام كامل كان يفترض أن تقضيه فى الجيش، ولا تجنيد لك، اعتبر هذا العام فترة تجنيدك التى لابد أن تنتهى نهاية مشرفة على الأقل أعرف ما الذى تريد أن تكونه.

أحب الكتابة، وكان أهم ما فعلته فى العاصمة أن تعرفت على الوسط الثقافى بمقاهيه وندواته، نشرت القصائد لكننى خبأتها خوفا من أن يمثل هذا إحباطا جديدا لأهلى، صارحت أمى سرا بأننى لا أهتم بشىء سوى الفن والشعر و القراءة والكتابة، رفض أبى أن يكون هذا مستقبلى، وقفت أمى فى صفى، فلنمنحه فرصة، تراجع ما أكتبه، تدقق وتعلق وتوجه، نفكر سويا ما يمكن أن تعنيه كلمة « كاتب»، لم يكن واضحا أنها شغلانة ذات مستقبل، فلتجرب، سألت ومتى أعرف إن كانت التجربة نجحت؟، فكرت أمى كثيرا ثم عثرت على الحل، امنح نفسك عاما آخر إذا لم تمنحك الكتابة مفتاحا لعالم واضح الملامح يقدم لك دخلا ثابتا و طريقا به قدرا من الاستقرار فلتجعلها هوايتك، وبعد شهور من الكتابة والنشر وجدت أمى تسحبنى من يدى حاملة بعض ما نشرت وتطرق باب أحد أقاربها الذى كان يشغل منصيا مهما قديما فى إحدى وكالات الأنباء، وضعتنى وما كتبت أمامه ثم سألته « يكمل؟»، هز الرجل رأسه استحسانا، خرجنا يومها أنا وأمى من عنده وسافرت وهى تقول « أنا اتطمنت عليك شد حيلك «، يومها عدت من محطة القطار إلى وسط البلد سيرا على الأقدام، أفكر أننى لا أمتلك إلا خطة وحيدة، ألا أخذل هذه السيدة مرة أخرى.

رمت الأم «طوبتى» بيقين كان ملهما بالنسبة لى، وكلما استعجلنى الأب على تقديم « أمارة» تبل الريق بخصوص الطريق الذى اخترته، كانت الأم تقول « سيبه»، أؤمن تماما بأنه لولاها ما كنت لأمتلك الجرأة أو الشجاعة للاستمرار، وعندما كنت أفكر فى خطوة للخلف وتغيير المسار والتنازل عن الحلم كانت تقول « خسارة»، فأعود من جديد.

بعد سنوات طويلة كنت أجلس على المنصة فى أول حفل توقيع لأحد كتبى، كان الزحام شديدا، وكانت هى تجلس فى أحد الأركان تتابع ما يحدث، كنت أجلس قلقا ويخرج من الكلام بصعوبة، ثمة شىء يؤرقنى ويجعلنى على غير طبيعتى، ولم يتغير كل هذا إلا عندما طلبت منها أن تجلس إلى جوارى على المنصة، وافقت بصعوبة، بعدها كنت بحاجة إلى معجزة تجعلنى أتوقف عن الكلام.

(3)

كنت أقف على باب الأستاذ محمد عبد الجواد أمهر رئيس وكالة أنباء فى تاريخ مصر، محملا بشفاعة الأصول الصعيدية الواحدة التى تجمعنا، هيأت نفسى لأن أطلب وساطته فى الالتحاق بمجلة «روز اليوسف» للتدريب، كانت وقتها أنجح مجلة فى مصر، كنت أبحث عن نقلة فى الطريق الذى سلكته، و قبل أن أطرق الباب قلت لنفسى لن أجد ما أفتش عنه هناك، أحلم بمن يعلمنى ويساعدنى على اكتشاف نفسى، لا أحلم أن أكون صحفيا يجمع الأخبار والانفرادات، أحلم أن أكون كاتبا يكتشف الحياة من حوله ويكتبها ليدهش نفسه ومن يقرأ، وعندما جلست أمام مضيفى وكانت لديه فكرة مسبقة عما أريده سألنى عن سبب اختيارى لـ روز اليوسف، قلت له رجعت فى كلامى، أريد أن أتدرب فى نصف الدنيا، ابتسم وقال لى نصا: هذا اختيار عظيم لن تندم عليه أبدا.

ساعدنى فى أن أقابل سناء البيسى، لم تسألنى إلا عن شىء واحد : عندك إيه أفكار؟، كنت مستعدا لهذا السؤال وأجبتها فقالت : اشتغل وورينى.

كل مقابلاتى مع سناء البيسى فى السنوات التالية كانت نسخة من المقابلة الأولى، سؤال واحد : عندك إيه؟، يعقبه سؤال: هتعملها إزاى؟، طيب اشتغل  وورينى، لم أدرس الصحافة لكننى تعلمتها وتخرجت فى مدرسة سناء البيسى، كان إيقاعها أسرع منى ورغم فارق السنوات الكبير لصالحها إلا أننى كنت ألهث أخلفها لأفى بما يجب أن أقدمه، كانت ماهرة فى تكسير سقف الأفكار، وتكسير سقف طموحك فيما تفكر أن تقدمه، الفكرة التى تعتقد أن آخرها صفحتين تكسرها أمامك لترى كيف أنها فكرة ملف صحفى كبير، الصورة يجب أن تكون بطلا فيما تقدمه، لا تخف من المصادر هم الذين بحاجة إليك أكثر من حاجتك إليهم، عبر عن نفسك وانس قسوة رخام مؤسسة الأهرام وصقيع تكييفها، كثيرا ما كنت أصحو من النوم على تليفونها تخبرنى بفكرة خطرت على بالها أو حدث طارئ يحتاج لعمل إنتحارى يجب أن يبدأ فى هذة اللحظة، تقسو عليك إن شعرت أنك تدخر جهدا، تقصيك بقسوة حتى تفيق، كانت تؤدب مهنيا كما يليق بامرأة تنتمى لبرج الأسد استهلكت فى حب المهنة قلبين، كانت صيحتها الشهيرة : دى مجلة أمى .. كفيلة بإنهاء أى نقاش، ما تراه عقابا ظالما ستعرف بالوقت أنه كان « درس خصوصى» تستحضره على مهل وتستطعمه فيما بعد وتشكر الظروف التى جعلتك تعمل بالقرب من هذه السيدة.

لم تكن تنحاز إلا للموهبة، تجامل أحيانا ولكن ليس على حساب ما تقدمه المجلة، تغلق عليك باب مكتبها لتسلخك دون أن تفقد ابتسامتها، لا تعرف ما الذى يجب أن تفعله فى لحظات «التقطيم المهنى» التى تزنقك فيها، هل تضحك أم تضع وجهك فى الأرض و» تضحك لجوة»؟، تعاقب بالعمل، وتكافئ بالعمل، أن يتم حرمانك من النشر لفترة كان هذا أقسى ما يمكن للواحد أن يواجهه فى هذه الفترة، أو أن تسألك « بتحلم تعمل إيه؟» فتعينك على تحقيق الحلم، أريد أن أهرب الأسئلة لأحد المساجين المهمين ثم أنشر إجاباته فى حوار، يالا، أحلم أن أكتشف بلدا مجهولا مثل إيران، طيب جهز نفسك للسفر، لكن أن تختفى وتتراجع عن العمل فستكون هناك مفاجآت عظيمة فى انتظارك، عدت فى مرة بعد غياب بموضوع صحفى، طلبته وطلبتنى شخصيا ثم كتبت لى عليه «هذا موضوع هزيل لا يليق بالنشر فى مجلة نصف الدنيا» ثم طلبت منى أن أحتفظ بهذا الموضوع وتعليقها عليه فى مكان يسمح لى أن أراه فى « الروحة والجاية»، وضعته أسفل زجاج مكتبى، وبعدها عدت بسلسلة تحقيقات كانت تمنح كل حلقة فيها بأكبر عدد ممكن من صفحات المجلة، كل يوم فى حضرة هذه السيدة هو يوم دراسى فى مدرسة المهنة وأصولها وأخلاقها، فى لحظات النجابة أفخر بأننى كنت تلميذا فيها، وفى لحظات الخيابة المهنية أقول لنفسى « أكيد كنت غايب فى اليوم ده».

(4)

«ثناء» و «سناء»

أؤمن تماما بأنهما «الخرسانة» التى تجعل حياتى متماسكة حتى هذه اللحظة، اللوحة الرخامية الموجودة فى بهو مبنى حياتى تحمل اسميهما كمسئولتين عن التصميم والبناء، أعتبر نفسى أحد المبانى المحظوظة فى المربع الذى أقف فيه بين مبان كثيرة متناثرة حولى.


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا