فى ربوع قرطبة
فى ربوع قرطبة

تشرد شروق فيما قاله عبد الرحمن بن خلدون لزيد ولده وتقول لنفسها :

أنا أيضا أحتاج للمزيد من الكتب والمراجع لأكمل أطروحتى فى الأدب الأندلسى. أحتاج كذلك إلى زيارة المدن التى تحمل شوارعها ومبانيها أنفاسك، وذكريات عذاباتك أيها العبقرى الحزين .نعم فبقدر ما حباك الله من ذكاء وموهبة ورجاحة فكر وحكمة بقدر ما ابتلاك بسموم الحقد،  وسهام المكائد، وتغير الأحوال، والأوطان التى كلما ألفت أحدها، تآمر بطانة حاكمها عليك، ولم تجد بدا من الرحيل عنها .

قصتك يا عبد الرحمن مؤثرة، ملهمة، مليئة بالمجد والدموع .إنجازك العلمى غير مسبوق شهد لك به فلاسفة الغرب، بل رفعوا لك القبعة، واعترفوا بريادتك وتأسيسك لعلم الاجتماع، هكذا قال أرنولد توينبى وأكد أن ما أنجزته هو أعظم ما توصل إليه الفكر البشرى فى أى زمان ومكان .

كذلك وصفك روجيه جارودى بأنك أكثر الفلاسفة تقدما، فقد اجتمع فى شخصيتك العالم، الفنان، رجل الحرب، الفقيه، والفيلسوف الذى يضارع عمالقة النهضة عندنا بعبقريته منذ القرن الرابع عشر.

تدخل شروق على موقع تراث الأندلس الإلكترونى، تبهرها صور قصور الحمراء، وكهوف جرانادا، تطالع صورا تفتنها لمبانى الأندلس القديمة بطرازها العربى الإسلامى البديع، تشعر بجاذبية رهيبة تشدها إلى ذلك العالم البعيد فى عمق الزمن، تنتبه على صوت أمينة المكتبة:

• سوف نغلق بعد ربع ساعة يا سيدتى . آسفة للمقاطعة. فقط أردت أن أنبهك للوقت .

تومئ «شروق» برأسها مبتسمة لها وتقول :

• حالا سوف أجمع أشيائى وأغادر . 

تمسك بالقلم وتدون فى بلوك نوت صغير أسماء المدن التى سوف تزورها فى أسبانيا، غرناطة، إشبيلية، قرطبة . تشرد فى تخيل تلك المدن الخلابة، آه يا أندلس ! يا أرض الأجداد والأمجاد. الإنتصارات والانكسارات .يا أرض الإلهام والسحر والتاريخ . خذينى إليك، «فأنا مفتون من رأسى حتى قدمى « صدقت يا نزار .

تلقى «شروق» جسدها على السرير، ياااه، كان يوما طويلا، مرهقا، لكنه ممتع، تسحبها دوامة من الخدر اللذيذ، ترى نفسها أميرة عربية تتمشى بين حدائق وربوع قرطبة، تشم رائحة الزهور وتنتشى لنسمات الهواء الطرية التى تداعب وجهها، تتطاير خصلات شعرها الطويل، تتمختر فى ثياب وثيرة، مصنوعة من الحرير، ومطرزة بتصاميم فنية دقيقة، وألوان مبهرة. تلبس تاجا ملكيا، ترصعه فصوص الماس، يظهر أمامها شاب جميل لم تر رجلا فى مثل جماله، تسأله: من أنت ؟ يقول لها: أنا محمد بن أبى عامر. 

من أين جئت يا محمد؟ وكيف ظهرت فى حياتى لتسلبنى السيطرة على نفسى، وعلى حياتى . عشت زوجة للخليفة الحكم، ملكة ينحنى لها الرجال، ويجلها الوزراء، هذه الملكة، الجميلة، الشامخة، تحولت إلى جاريتك التى لم تعد ترى شيئا فى الدنيا سواك. عندما تلتقى عينى بعينيك أشعر بنفسى «صبح»، صبح فحسب . المرأة التى فجرت شلال أنوثتها، لقد عشقتك يا محمد كما لم تعشق امرأة رجلا قط! 

***

تفتح «شروق» عينيها ، مبتسمة، لا تزال مشاهد من حلم اليقظة عالقة بخيالها، تشرد فى تأملاتها لقصة «صبح البشكنجية» ومحمد بن أبى عامر . كيف بدأت؟ رآها صدفة، تعزف وتغنى، فتوقف، وغاصت عيناه فى عينيها، كانت وقتها مجرد جارية فقيرة . لكن جمالها مبهر، كان لقاء عابرا لكنه بقى فى ذاكرته، وذاكرتها، حتى جمعهم القدر ثانية فى قصر الخليفة الحكم،  ليفاجأ محمد بن أبى عامر بفاتنته، وقد أصبحت ملكة، تحيطها الجوارى، التى كانت يوما، واحدة منهن، لكن جمالها، وموهبتها، سرقت قلب «الحكم» ، فتزوجها، ونقلها من حياة الجوارى إلى حياة الملوك، سيطرت «صبح» بقدراتها الأنثوية المذهلة على الخليفة «الحكم» الذى كان حاكما مهيبا، يخشاه الجميع.  

تقلبت «شروق» فى فراشها، تملؤها مشاعر النشوة، والروقان . ولم لا ؟ ألم تكن تتجول بخيالها، وأحلامها فى قصر الزهراء، وترى مشاهد عصر ذهبى فريد؟ ألم تعش كأميرة عربية، تتمرغ فى نعيم الثراء والسلطة، وتسقط فى فخ الحب رغم كل هذا ؟


أضف تعليقك
اعلانات
الأكثر قراءة
PDF
تابعنا