لأول مرة بعد غياب عشر سنوات.. عادت النشاطات الثقافية المصرية مرة أخري إلي باكستان, بالتعاون بين قطاع العلاقات الثقافية الخارجية برئاسة حسام نصار مستشار وزير الثقافة والسفير مجدي عامر سفير مصر في إسلام أباد,
حيث تم الاحتفال بعيد ثورة يوليو في العاصمة الباكستانية إسلام أباد.. حيث قدمت فرقة التنورة المصرية عروضها المتميزة علي خشبة المسرح القومي الباكستاني, وقدمت عرضين آخرين.. أحدهما لصالح المتضررين من الإرهاب في باكستان, حيث لاقت العروض إقبالا هائلا من الجمهور الباكستاني واهتمام الصحف المحلية.
بعد قضاء رحلة استمرت إحدي عشرة ساعة, منها ثماني ساعات بالطائرة وثلاث ساعات من الانتظار في مطار أبو ظبي, وصلنا إلي مطار بنظير بوتو, في إسلام أباد, وخلال طريقنا من المطار إلي فندق هيرتياج.. الذي أقمنا به فترة وجودنا, رأيت إسلام أباد مدينة شبحية, لا شيء يري سوي أضواء السيارات وبعض أعمدة الإنارة القليلة بأنوار شاحبة.. فالبلاد تعاني أزمة في الطاقة تجعلهم يقتصدون في استخدام الإضاءة,
بل إن الكهرباء تنقطع لفترات طويلة في كل أحياء العاصمة, ولذا كل المنازل مزودة بمحولات كهرباء تعمل بالوقود, وفي تلك الليلة التي وصلنا فيها عند الخيوط الأولي للفجر, لم نر المدينة تحت ستائر الظلام سوي أشباح لا تري, وفي الصباح استقبلتنا إسلام أباد بأمطار رعدية أيقظتنا من نوم لا يكفي لإراحة أجسادنا المرهقة من شقاء الرحلة.
لم أكن لأتصور في أفضل أحلامي.. أنني سأري مدينة إسلام أباد مثلما رأيتها, فقد كانت كل تصوراتي كغيري, ممن يشاهدون القنوات الإخبارية بأنني سأري مدينة من الأحياء العشوائية لا يسير في شوارعها سوي المتسولون واللصوص, وكنت قد قررت قبل سفري إلي هناك بأنني سأقضي معظم الوقت في الفندق,
خوفا من مروري إلي جوار إحدي السيارات المفخخة, أو اصطدامي بأحد الانتحاريين من رجال طالبان باكستان, وخشية من أن يقودني حظي العثر إذا ما فكرت في التجول في شوارع المدينة إلي وجودي في أحد الأماكن التي تتعرض لقنبلة أكون أحد ضحاياها,
ولكن ما رأيت لم أكن لأستطع تصوره في أسعد أحلامي.. صامتة.. هادئة.. تشبه في صمتها صمت القبور في أوقات الذروة, حيث الشمس تلقي بألسنتها الملتهبة فوق رؤوس العباد, فتري الشوارع خالية إلا من القليل من السيارات في شوارع المدينة الواسعة والممهدة, الهادئة دون ضجيج أبواق سياراتها, التي تسير دون عجلة.. محترمة كل الإشارات بألوانها الثلاثة, ساعدها علي ذلك تصميم مدينة إسلام أباد التي تقع في حضن جبال مارجالا الخضراء, التي صممها مهندس يوناني في بداية الستينيات,
وقام بتنفيذها شركة إنجليزية ما زالت تشرف عليها حتي الآن, فلا يجوز تغيير أي شيء من المدينة دون الرجوع إلي تلك الشركة, حيث تم الانتهاء من بنائها في عام 67 لتصبح العاصمة الجديدة لباكستان بدلا من كراتشي التي تعتبر الآن العاصمة الاقتصادية للبلاد,
عندما تتجول في الشوارع لا تري سوي أبنية من دورين وسط حديقة.. فالمدينة بكاملها عبارة عن مجموعة من الفيلات, نظرا لوقوعها علي خط الزلازل, ولا يوجد بها سوي مباني قليلة تعد علي أصابع اليد الواحدة عبارة عن مجمع إداري, وفي كل حي من أحياء المدينة يوجد مربع واسع من المحلات التجارية بعيدا عن الأماكن السكنية, تجد فيه كل ما تود شراءه أو تحتاج إليه دون الحاجة إلي معاناة السكان من ضجيج المحلات إلي جوار منازلهم, حتي الفندق الذي كنا نقيم به والمسمي هيرتاج..
والذي يعني بالعربية التراث.. مكون من طابقين فقط, تستطيع من نوافذه أن تري جبال مارجالا الخضراء, وكذلك تري علي مدار اليوم اثنين من رجال الأمن يطوفون حول المنزل بأسلحتهم الثقيلة في جولات حراسة دائمة.
في اليوم الأول لوصولنا توجهت فرقة التنورة لإجراء أولي بروفاتها بصحبة الدبلوماسيين طارق قطب وحازم الشوربجي, اللذين لم يتركا الوفد يوما واحدا دون مرافقته.. فطارق شاعر متميز صدر له ديوان في مصر, ولذا تري في تعامله مع الجميع دبلوماسية شعرية, وكثيرا ما تراه شاعرا دبلوماسيا في الحديث حول الوطن.. أما حازم فهو صاحب ابتسامة هادئة لا تفارق وجهه, فتجعلك دائم النظر إليه, حتي لو لم تتحدث إليه.
كان المسرح الوطني الباكستاني هو المكان الذي أجريت فيه البروفة, كان المبني يقع وسط مجموعة كبيرة من الأشجار, والمبني صمم من الداخل والخارج علي الطراز الباكستاني القديم من الطوب الأحمر والأخشاب.. قاعته تتسع لأكثر من أربعمئة شخص, جاءوا جميعا في اليوم التالي لحضور الحفل الأول لفرقة التنورة, وكان الحفل بمناسبة احتفال السفارة المصرية بالعيد القومي لثورة 23 يوليو, حيث أقيم حفل استقبال حضره مجموعة كبيرة من أعضاء الهيئات الدبلوماسية ورجال الدولة الباكستانية,
حيث استقبلهم السفير المصري مجدي عامر, قبل توجهه إلي قاعة المسرح لمشاهدة عرض التنورة, حيث حضر العرض إفتاب حسين شاة جيلاني وزير الثقافة الباكستاني وحامد سعيد كاظمي وزير الشئون الدينية ومحمد عزام خان سواتي وزير العلوم والتكنولوجيا وآية الله ديوراني وزير الدولة للصناعة والإنتاج وسيد علي نجاري وزير الدولة للإعلام ومحمد جان جمالي نائب رئيس مجلس الشيوخ وراجا ظافر الحق رئيس حزب الرابطة الإسلامية وعضو البرلمان, وكذلك العديد من قيادات الجيش وأعضاء البرلمان وقيادات الصحافة والإعلام وكبار رجال الصناعة والأعمال.
بدأ العرض بعزف منفرد لعازف الربابة حسين متولي, شاركه فيه عازف الناي أشرف جمال, ثم قدم كل عازف مقطوعة منفردة مع خلفية هادئة للعازفين الآخرين, حيث قدم صبري سلامة عازف المزمار مقطوعة من التراث الشعبي,
بينما كان يقدم استعراضا بسيطا حاز علي إعجاب الحضور, ثم تلاه عازف الطبلة عمرو سلامة ثم عازف الدف مصطفي مفتاح ومحمود علي وأحمد فهمي وعبدالستار عبده وصابر رمضان وعلاء أبو سريع في سيمفونية من الموسيقي الشعبية جعلت الجمهور يقف بعد عشر دقائق تحية للعازفين, ثم قدمت الفرقة الفقرة الصوفية, حيث قدم المنشد عصام عبدالمنعم العديد من الأناشيد الصوفية,
بينما قام راقصا التنورة حسن بلبل وأحمد علوان بتألقهما المتواصل بالتنورة مدة لا تقل عن 40 دقيقة في رقصة تعبيرية لما ينشده الشيخ عصام كما كنا نناديه, مما جعل الجمهور في حالة من الإعجاب ممزوجة بالدهشة من تلك القدرة علي الالتفاف حول نفسه طوال هذه المدة دون أن يقع علي خشبة المسرح,
حتي أنني كنت أجلس إلي أحد أعضاء الهيئة الدبلوماسية اليابانية الذي قال لي بعد انتهاء فقرة التنورة.. إنتم فعلا فراعنة.. بعدها قدمت الفرقة آخر فقراتها وهي الفقرة الاستعراضية التي وقف فيها ثلاثة من راقصي التنورة علي أنغام الموسيقي الشعبية المصرية,
وقدموا استعراضا مدهشا عبر عن قدراتهم في التحكم بالتنورة, وانتهي العرض بينما يدور راقصو التنورة بالعلمين المصري والباكستاتني وهم يغنون: يا حبيبتي يا مصر.. يا أم الدنيا.. مع تصفيق حاد وجاد من الجمهور الذي ظل يصفق حتي بعد خروج الفرقة من علي خشبة المسرح.
بعد انتهاء الحفل دعانا السفير مجدي عامر علي العشاء في أكثر المطاعم التي رأيتها روعة. اسمه 1969, سمي كذلك لأن كل ما فيه يعود إلي الستينيات, ملابس العاملين, الطراز المعماري, اللوحات المعلقة علي حوائطه, الموسيقي التي تتردد في أرجاء المطعم الذي يقع وسط الغابة التي تحيط مدينة إسلام أباد من كل جانب والتي جعلتنا نفضل الجلوس في الجزء المكشوف من المطعم وسط حدائق واسعة من الغابات امتدت سهرتنا طويلا في المطعم ,
وامتد الحوار بنا وظلت أفواهنا مفتوحة, في محاولة يائسة لإطفاء حرائق الشطة التي كانت تملأ الطعام والمعروف بها الهنود والباكستانيون, وظل جلوسنا حتي بدأت السماء تسقط علينا مطرا كان وديعا في بداية الأمر وعندما تحولت وداعته إلي الشراسة أنهينا جلستنا.
أقيم الحفل الثاني بعد الأول بيوم علي نفس المسرح ولكن هذه المرة كان الجمهور من الباكستانيين, وكانت ردود الأفعال أكثر حماسا عند الجمهور الباكستاني حيث استمر التصفيق من بداية العرض حتي آخره وهذا ما شجع أعضاء الفرقة علي التجويد في أدائهم حتي أن راقصي التنورة نزلوا إلي الجمهور وفي قاعة المسرح,
وإذا كنا بصدد تصنيف الحفلتين فمن الممكن أن نقول إن الحفل الأول كان دبلوماسيا والآخر شعبيا أما الحفل الثالث والأخير فقد أقيم في مدينة بوربان التي تقع أعلي قمة جبال مري التي استمر سيرنا إليها بالاتوبيس في الطريق الجبلي الأفعواني أكثر من ساعتين, كنا خلالها أعلي قمة الجبال,
وأسفلنا السحب التي ظلت تطلق برقها حتي انتهاء الحفل, ولكن د ون أمطار بدأ الحفل بفقرة موسيقية من إحدي الفرق الباكستانية, ثم بدأ عرض فرقة التنورة الذي استمر أكثر من ساعة ونصف بناء علي رغبة الجمهور الذي ظل يردد تنورة كلما أوشك العرض علي الانتهاء فيقوم أعضاء الفرقة بإعادة الفقرة مرة أخري ثم تلته المطربة الباكستانية الشهيرة رابي بنيزادا وتوجهنا بعد منتصف الليلة إلي طريق هبوطنا من جبال مري نحو إسلام أباد وسط سيول لا تهدأ. أتلفت أعصابنا من خشية عدم العودة مرة أخري.
وفي ليلة عودتنا كنا نجلس مع السفير مجدي عامر وأعضاء السفارة الدبلوماسيين أيمن وطارق قطب, وحازم الشوربجي والملحق الإداري خالد رمضان في أحد المطاعم أعلي قمة جبل مارجلا, وفي الأسفل أضواء مدينة إسلام أباد. كما لو كانت نجوم ترتعش في سماء مظلمة ومن هناك في قمة العالم ودعنا باكستان,
وهبطنا باتجاه مطار بنظير بوتو, ونحن نحمل نجاح الثقافة المصرية في باكستان بفضل مبادرة السفير مجدي عامر, والنظرة الثاقبة للشاعر حسام نصار المشرف علي قطاع العلاقات الثقافية المصرية, وبدت الفنون المصرية كحلم سعيد شاهده الشعب الباكستاني, ويأمل في أن يراوده ذلك الحلم مرة أخري.